بقلم: الباز عبدالإله
بعد يوم واحد فقط من كشف الحكومة عن أحدث برمجتها الاقتصادية للسنوات المقبلة، والتي تراهن على استمرار دينامية الاقتصاد المغربي وتحقيق نمو بنسبة 4.1 في المائة خلال سنة 2027، يبرز من خارج الرباط سيناريو أكثر تحفظاً يضع هذا التفاؤل أمام امتحان يتجاوز مجرد المقارنة بين نسبتين.
فالقضية لم تعد تتعلق فقط بالسؤال عما إذا كان الاقتصاد المغربي سينمو بـ4.1 في المائة أو بـ3.5 في المائة، بقدر ما ترتبط بسؤال أكثر ثقلاً: ماذا سيبقى من هذا النمو عندما يصل إلى المقاولة التي تنتظر مستحقاتها، والشاب الذي يبحث عن وظيفة، والأسرة التي تقيس الاقتصاد بما ينعكس على دخلها لا بما يظهر في الجداول، والجهات التي ما تزال تنتظر أن تتحول الاستثمارات الكبرى إلى خدمات وفرص شغل؟
التقرير الحكومي الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية يرسم مساراً متفائلاً نسبياً، إذ تتوقع الحكومة نمواً بنسبة 5.3 في المائة خلال 2026، قبل أن تتراجع الوتيرة إلى 4.1 في المائة سنة 2027، ثم يسجل الاقتصاد متوسط نمو في حدود 4.2 في المائة خلال سنتي 2028 و2029، مع استهداف حصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال السنوات الثلاث المقبلة.
على الورق، تبدو الصورة مطمئنة: نمو يفوق 4 في المائة، وعجز تحت السيطرة، واستثمارات كبرى تواصل دفع الاقتصاد.
لكن الورق ليس هو الاقتصاد كله.
فأحدث تقييم قطري متاح للمغرب لدى «Allianz Trade»، والمحدَّث في فبراير 2026، يرسم صورة أكثر تحفظاً، إذ تتوقع المؤسسة نمواً في حدود 3.7 في المائة خلال 2026، ثم 3.5 في المائة فقط سنة 2027، أي أقل من توقع الحكومة للسنة المقبلة بنحو 0.6 نقطة مئوية.
وAllianz Trade ليست مكتب استطلاع سياسي ولا مؤسسة معارضة للحكومة، بل هي الذراع المتخصصة في التأمين على الائتمان التجاري وتحليل المخاطر الاقتصادية والقطاعية التابعة لمجموعة Allianz الألمانية، وكانت تعرف سابقاً باسم «Euler Hermes»، قبل اعتماد اسمها الحالي. وتتابع المؤسسة مخاطر الدول والقطاعات وتعثر الشركات وآجال الأداء والتجارة والائتمان، وتصدر بشكل دوري تقييمات لمناخ الأعمال والمخاطر الاقتصادية.
وصحيح أن مقارنة الرقمين تحتاج إلى قدر من الإنصاف، لأن تقدير Allianz Trade للمغرب محدَّث في فبراير 2026، بينما جاءت البرمجة الحكومية الأحدث بعده بأشهر، وبالتالي لا يمكن التعامل مع 3.5 في المائة باعتبارها حكماً نهائياً على رقم 4.1 في المائة، لأن كل توقع يقوم على تاريخ وفرضيات ومعطيات مختلفة.
لكن أهمية تقييم Allianz لا تكمن فقط في الرقم.
الأهم يوجد خلفه.
فالمؤسسة تعتبر أن الأداء الماكرو-اقتصادي للمغرب يظل قوياً، لكنها تضع إلى جانبه مجموعة من الاختلالات التي تجعل السؤال حول جودة النمو أكثر إلحاحاً من السؤال حول حجمه.
وتشير إلى أن حالات إعسار المقاولات ارتفعت بنحو 10 في المائة خلال 2025، مع تركز الصعوبات خصوصاً في التجارة والعقار والبناء، كما تعتبر تأخر الأداء عاملاً رئيسياً يساهم في فشل المقاولات.
وهنا تبدأ المفارقة.
يمكن للناتج الداخلي الخام أن يرتفع، ويمكن للاستثمارات أن تتضاعف، ويمكن للدولة أن تعلن عن عشرات المشاريع، وفي الوقت نفسه يمكن لمقاولة صغيرة أو متوسطة أن تصل إلى حافة الاختناق لأنها أنجزت عملها ولم تتوصل بأموالها في الوقت المناسب.
النمو في الحسابات لا يعني تلقائياً وجود سيولة في حساب المقاولة.
وهذه واحدة من النقاط التي تجعل النقاش حول نسبة النمو وحدها ناقصاً، لأن المقاولات الصغرى والمتوسطة لا تعيش بالبلاغات ولا بالإعلان عن اعتمادات مالية جديدة، بل تحتاج إلى آجال أداء محترمة، وطلب مستقر، ومساطر واضحة، وتمويل يمكن الوصول إليه، وتكافؤ في الفرص، وتدفقات نقدية تسمح لها بأداء الأجور والضرائب ومستحقات الموردين قبل التفكير في التوسع والاستثمار.
ويكتسي هذا السؤال وزناً أكبر في بلد يراهن بقوة على مشاريع البنية التحتية والنقل والتجهيز والاستعداد للاستحقاقات الرياضية الدولية، لأن الاستثمار العمومي لا يشتغل في فراغ.
فوراء كل طريق ومحطة وملعب ومشروع تجهيز توجد سلسلة طويلة من الشركات والمناولين والموردين والعمال والخدمات، وإذا لم تنتقل الأموال بانتظام داخل هذه السلسلة، يمكن للمشروع الكبير أن يرفع رقم الاستثمار في الحسابات الوطنية، بينما يبقى جزء من النسيج المقاولاتي الذي ينفذه تحت ضغط السيولة.
وهنا يتحول النقاش من «كم استثمرنا؟» إلى «كيف توزعت آثار الاستثمار؟»، ومن «كم نما الاقتصاد؟» إلى «كم مقاولة استطاعت أن تبقى وتنمو معه؟».
وتضع Allianz Trade البطالة بدورها ضمن أبرز المخاطر التي تواجه المغرب، وخصوصاً بطالة الشباب التي تضعها عند نحو 35 في المائة، إلى جانب استمرار وزن الاقتصاد غير المنظم واتساع الفجوة بين المراكز الحضرية والمجالات القروية.
وهذه ليست ملاحظة ثانوية، لأن أكبر اختبار لجودة أي نمو اقتصادي ليس أن يرتفع الناتج الداخلي الخام في حد ذاته، بل أن يتحول ذلك الارتفاع إلى فرص عمل منتجة ومستدامة.
فإذا نما الاقتصاد ولم يشعر سوق الشغل بذلك بالوتيرة نفسها، فإن المشكلة لا تعود في غياب النمو، وإنما في القنوات التي توزع ثماره.
وإذا ظلت بطالة الشباب عند مستويات مرتفعة رغم مليارات الاستثمار، يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط لكنه ثقيل: أين توجد الحلقة التي تنقطع بين خلق الثروة وخلق الوظيفة؟
والمفارقة أن هذا السؤال لا يأتي فقط من مؤسسة تقدم توقعاً أقل من الحكومة.
فحتى صندوق النقد الدولي، الذي يقدم سيناريو أكثر تفاؤلاً، يتوقع أن يبلغ نمو الاقتصاد المغربي 4.4 في المائة خلال 2026 و4.5 في المائة خلال 2027، أي أعلى من توقع الحكومة، ويربط هذه الآفاق بعودة الإنتاج الفلاحي إلى مستويات طبيعية واستمرار الاستثمار في البنيات التحتية مع مشاركة أكبر للقطاع الخاص.
لكن صندوق النقد نفسه يشدد في تقييماته للمغرب على أن خلق فرص الشغل المستدامة يظل أولوية ملحة، ويدعو إلى قطاع خاص أكثر دينامية، وتكافؤ أكبر في شروط المنافسة بين الكيانات العامة والخاصة، وإصلاحات إضافية في سوق العمل.
وهنا تكمن النقطة التي يصعب اختزالها في جدل حول من يملك الرقم الصحيح.
حتى المؤسسة التي تمنح المغرب توقعاً أعلى من توقع الحكومة تقول، عملياً، إن النمو وحده لا يكفي.
ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «OECD» تقف في منطقة وسطى تقريباً، إذ تتوقع نمواً بنسبة 5 في المائة خلال 2026 و3.9 في المائة سنة 2027، أي أقل من توقع الحكومة بنحو 0.2 نقطة خلال السنة المقبلة، كما تربط قوة النشاط الاقتصادي بالأمطار وتحسن الإنتاج الفلاحي واستمرار الاستثمار العمومي في البنيات التحتية، مع بقاء مخاطر مرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية والاضطرابات الخارجية.
وهكذا نجد أنفسنا أمام أربعة أرقام مختلفة لسنة واحدة: 3.5 في المائة لدى Allianz Trade، و3.9 في المائة لدى OECD، و4.1 في المائة لدى الحكومة، و4.5 في المائة لدى صندوق النقد الدولي.
ولا يعني هذا أن واحدة منها تمثل «الحقيقة» وأن البقية مخطئة.
فالتوقع الاقتصادي ليس نتيجة معلومة مسبقاً، بل هو سيناريو مبني على فرضيات حول الفلاحة والأسعار والاستثمار والتجارة الخارجية والاستهلاك والمالية العمومية والأوضاع الدولية.
لكن اختلاف الأرقام يكشف شيئاً أساسياً: نسبة 4.1 في المائة الحكومية ليست حقيقة مكتسبة، وإنما سيناريو يجب أن تتحقق شروطه.
والأهم أن تحقق الرقم نفسه لن يكون نهاية النقاش، لأن الاقتصاد يستطيع تقنياً تسجيل 4.1 أو حتى 4.5 في المائة، ويبقى السؤال الاجتماعي والسياسي قائماً: من حصل على ماذا من هذا النمو؟
وتزداد حساسية السؤال عندما ننتقل إلى المالية العمومية، فتقييم Allianz Trade يشير إلى أن الإنفاق الحكومي ارتفع خلال السنوات الأخيرة مستفيداً من زيادة الإيرادات، ولكن أيضاً مع ارتفاع إصدار الدين، ويسجل أن عدداً من المؤسسات والمقاولات المملوكة للدولة ما يزال شديد المديونية ويمكن أن يشكل خطراً على الآفاق الاقتصادية رغم برامج الإصلاح المعلنة.
كما تشير المؤسسة إلى تخصيص جزء مهم من الإنفاق للمشاريع الكبرى، بينما تظل جودة الصحة والتعليم، خصوصاً خارج المجالات الحضرية، دون المستوى المطلوب في تقييمها.
وهنا لم يعد السؤال اقتصادياً صرفاً.
إنه سؤال في ترتيب الأولويات وفي المردودية الاجتماعية للمال العام.
فمشروع ضخم يمكن أن يكون ضرورياً للاقتصاد، ويمكن لطريق أو ميناء أو خط للقطار أو تجهيز رياضي أن يخلق قيمة مضافة ويجذب الاستثمار ويغير وجه منطقة كاملة، لكن لا توجد قاعدة اقتصادية تقول إن كل درهم استثمار عمومي يتحول تلقائياً إلى درهم من الرفاه الاجتماعي.
هذه الحلقة تحتاج إلى سياسات تجعل الاستثمار يتحول إلى وظائف، والوظائف إلى دخول مستقرة، وتمتد آثار الاستثمارات إلى مختلف الجهات، وتصبح المدرسة والمستشفى جزءاً من قصة النمو لا مجرد ملفين اجتماعيين يشتكي المواطن من جودتهما بينما ترتفع المؤشرات الماكرو-اقتصادية.
وهنا يصبح مفهوم جودة النمو أهم من رقمه المجرد.
فالنمو الذي يرفع الناتج ولا يوسع قاعدة المستفيدين منه يبقى ناقصاً، والنمو الذي تحققه المشاريع الكبرى بينما تختنق المقاولات الصغيرة بآجال الأداء يحمل تناقضاً داخله، والنمو الذي لا يمتص بطالة الشباب بالقدر الكافي يترك جزءاً من طاقته البشرية خارج الدورة الاقتصادية، والنمو الذي يصعد في المدن الكبرى ولا ينعكس بالوتيرة نفسها على المجالات الأقل استفادة يوسع المسافة بين المؤشر الوطني والتجربة اليومية للمواطن.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الانتقال من التشاؤم إلى التفاؤل أو العكس، ولا تحويل اختلاف توقعات المؤسسات الدولية إلى معركة أرقام.
المطلوب هو الانتقال من التدبير الرقمي للنمو إلى محاسبته ميدانياً.
فالاقتصاد لا يُختبر فقط بنسبة ما أضافه إلى الناتج الداخلي الخام، بل بعدد الوظائف التي أحدثها، وعدد المقاولات التي استطاعت البقاء والتوسع، ومدى تحسن آجال الأداء، وحجم ما انتقل من الاستثمار العمومي إلى النسيج المقاولاتي الوطني، ومدى تحسن الصحة والتعليم، ومقدار ما تقلص من الفوارق بين الجهات.
هذه هي المؤشرات التي ستقرر في النهاية إن كانت نسبة 4.1 في المائة نجاحاً اقتصادياً فعلياً أم مجرد رقم جيد في جدول.
فقد تصل الحكومة إلى توقعها، وقد تتجاوزه، وقد تأتي النتيجة أقرب إلى تقديرات Allianz أو OECD، لكن الامتحان الأصعب لن يجري داخل جداول وزارة الاقتصاد والمالية ولا داخل تقارير المؤسسات الدولية.
سيجري في المقاولة التي تنتظر مستحقاتها، وفي حساب الأجير، وفي فرصة الشاب الباحث عن عمل، وفي جودة المدرسة والمستشفى، وفي القرية والمدينة الصغيرة التي تنتظر نصيبها من الاستثمار.
فالاقتصاد الناجح ليس ذلك الذي يستوفي شروط التوازنات المالية على جداول البيانات فقط، بل الاقتصاد الذي يحول النمو إلى أمان مالي للمقاولة، وفرصة عمل للشاب، ودخل أفضل للأسرة، وخدمة عمومية أقوى، وعدالة مجالية أكثر وضوحاً.
لأن الرقم الذي سيهم المواطن والمقاولة في النهاية لن يكون فقط 3.5 أو 3.9 أو 4.1 أو 4.5 في المائة.
الرقم الحقيقي بالنسبة إليهما هو: كم وصل فعلياً من هذا النمو إلى حياتهما؟
وهنا بالضبط يصبح تفاؤل الحكومة أمام امتحان لا يمكن حسمه بالبيانات وحدها: امتحان الاقتصاد الحقيقي.
