الباز عبدالإله
قبل ثمانية أيام فقط من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، يضع تقرير دولي جديد مؤشرات الديمقراطية بالمغرب أمام صورة مختلطة، تجمع بين تحسن في بعض مراتب التصنيف العالمي واستمرار نقاط ضعف ثقيلة، أبرزها بقاء سيادة القانون في خانة الأداء المنخفض، ووجود المغرب ضمن الربع الأخير عالمياً في المشاركة الانتخابية والديمقراطية المحلية.٢
ويتعلق الأمر بأحدث نسخة من تقرير «حالة الديمقراطية في العالم 2026»، الذي أصدره المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية «International IDEA» يوم الثلاثاء 15 شتنبر 2026، تحت عنوان «الديمقراطية في عصر الصراع».
و«International IDEA» منظمة حكومية دولية مقرها ستوكهولم، متخصصة في الديمقراطية والانتخابات والمؤسسات السياسية، وتنتج قاعدة بيانات عالمية تقيس الأداء الديمقراطي عبر عشرات المؤشرات، اعتماداً على أربع فئات رئيسية هي التمثيل السياسي، والحقوق، وسيادة القانون، والمشاركة.
وتغطي أحدث بيانات المؤشرات أداء الدول خلال سنة 2025، وتشمل 173 دولة.
وفي حالة المغرب، تضع البيانات الجديدة المملكة في المرتبة 104 عالمياً من أصل 173 دولة في مؤشر التمثيل السياسي، والمرتبة 75 في الحقوق، والمرتبة 97 في سيادة القانون، ثم المرتبة 99 في المشاركة.
غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في الترتيب العام.
فالصفحة الرسمية الخاصة بالمغرب لدى المؤسسة تصنف أداء المملكة في ثلاثة مجالات، هي التمثيل والحقوق والمشاركة، ضمن المستوى المتوسط، لكنها تضع «سيادة القانون» في مستوى الأداء المنخفض.
والأكثر حساسية أن المغرب يوجد، بحسب المؤسسة، ضمن الربع الأخير من دول العالم في ثلاثة مؤشرات فرعية هي الديمقراطية المحلية، وحرية الدين، والمشاركة الانتخابية.
وتأتي هذه القراءة قبل ثمانية أيام فقط من توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع، في وقت جعلت فيه الحكومة والأحزاب من توسيع المشاركة السياسية، وخاصة في صفوف الشباب والنساء، أحد المحاور البارزة للإصلاحات الانتخابية الأخيرة.
وتكتسي المشاركة تحديداً أهمية خاصة في الأرقام الجديدة.
فمقارنة بيانات 2025 بأرقام السنة السابقة تكشف أن المغرب انتقل في مؤشر المشاركة من المرتبة 96 إلى المرتبة 99 عالمياً.
أي أن ترتيبه تراجع بثلاث مراتب في هذا المجال، بينما سجل تحسناً في المؤشرات الثلاثة الأخرى.
ففي التمثيل السياسي انتقل المغرب من المرتبة 107 عالمياً إلى المرتبة 104.
وفي الحقوق تحسن من المرتبة 77 إلى 75.
أما في سيادة القانون، فرغم استمرار التصنيف ضمن خانة الأداء المنخفض، تحسن ترتيب المغرب من المرتبة 103 إلى 97 عالمياً.
وهذه المقارنة ضرورية لأنها تكشف أن صورة المغرب ليست صورة تراجع شامل، لكنها تظهر في المقابل أن المؤشر الأكثر التصاقاً بالفعل الانتخابي المباشر، أي المشاركة، لم يواكب التحسن المسجل في بقية الفئات.
وهنا يطرح التقرير سؤالاً سياسياً مباشراً قبل انتخابات 23 شتنبر: هل ستنجح الإجراءات التي اتخذت لتوسيع المشاركة في تغيير هذا الواقع، أم ستظل الفجوة قائمة بين النصوص الجديدة والسلوك الفعلي للناخبين؟
هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عند الرجوع إلى ما سجله «International IDEA» نفسه بشأن التعديلات الجديدة على قانون الأحزاب السياسية في المغرب.
ففي متابعته لشهر يناير 2026، تناول المعهد الإصلاح المنشور في الجريدة الرسمية يوم 29 يناير، والذي أدخل شروطاً جديدة لتأسيس الأحزاب وتمويلها ومراقبتها، إلى جانب إجراءات ترمي إلى رفع تمثيلية الشباب والنساء.
ومن بين هذه الشروط، إلزام الحزب الجديد بأن يتوفر مؤسسوه على تمثيل في الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، وأن تضم لائحة المؤسسين ما لا يقل عن أربع نساء، إلى جانب اشتراط أن يمثل كل من النساء والشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة خُمس الأعضاء المؤسسين البالغ عددهم ألفي عضو.
لكن المؤسسة الدولية توقفت عند نقطة أكثر حساسية.
فهي ترى أن تطبيق هذه الشروط على الأحزاب الجديدة دون الأحزاب القائمة قد يخلق ما وصفته بـ«uneven playing field»، أي وضعاً تنافسياً غير متكافئ، لأن الأحزاب الجديدة تصبح مطالبة بتجاوز شروط وحواجز إضافية لا تفرض بالطريقة نفسها على التنظيمات السياسية الموجودة أصلاً.
وهذا ليس حكماً من المؤسسة على نزاهة الانتخابات المغربية المقبلة، ولا يعني أن الاقتراع غير متكافئ في مجمله.
لكنه يمثل ملاحظة مباشرة حول قواعد دخول أحزاب جديدة إلى الساحة السياسية، وتكتسب هذه الملاحظة وزناً أكبر في سياق انتخابات تشريعية تتنافس فيها الأحزاب على تجديد الثقة وتوسيع قاعدة المشاركة.
والتعديل نفسه تضمن، في المقابل، إجراءات أخرى لتعزيز الحكامة الداخلية، من بينها إلزام الأحزاب بعقد مؤتمر وطني مرة واحدة على الأقل كل أربع سنوات، ورفع سقف التبرعات الفردية السنوية إلى 800 ألف درهم، وتشديد متطلبات التصريح المالي الخاضع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
كما منع موظفي وأعوان وزارة الداخلية من تأسيس الأحزاب السياسية أو الانخراط فيها.
وتضع هذه الإصلاحات أمام الحكومة والأحزاب معادلة واضحة: تعديلات قانونية تستهدف رفع مشاركة النساء والشباب وتعزيز الرقابة المالية من جهة، وفي المقابل مؤشرات دولية ما تزال تضع المغرب ضمن الربع الأخير عالمياً في المشاركة الانتخابية والديمقراطية المحلية من جهة أخرى.
ولا تعني المرتبة 99 في المشاركة أن المغرب يحتل المرتبة 99 في «الديمقراطية» عموماً.
فالمنهجية المعتمدة من طرف International IDEA لا تختصر النظام الديمقراطي في ترتيب واحد، بل تفصل بين التمثيل والحقوق وسيادة القانون والمشاركة، ثم تفكك كل مجال إلى مؤشرات فرعية.
وهذا ما يجعل خانة سيادة القانون بدورها جديرة بالتوقف.
فرغم تحسن المغرب بست مراتب مقارنة بالبيانات السابقة، من 103 إلى 97، ما تزال المؤسسة تصنف الأداء الإجمالي في هذا المحور ضمن المستوى المنخفض.
ويقيس هذا المحور، وفق منهجية المعهد، مدى تطبيق القانون بصورة متوقعة ومتساوية، والقيود الفعلية على السلطة الحكومية، إضافة إلى مؤشرات ترتبط باستقلال القضاء والنزاهة وغياب الفساد والسلامة الشخصية وإمكانية توقع تنفيذ القواعد.
أما مجال الحقوق، الذي يحتل فيه المغرب المرتبة 75، فيصنف ضمن المستوى المتوسط، شأنه شأن التمثيل السياسي والمشاركة.
وبالتالي فإن التقرير الجديد لا يرسم صورة أحادية يمكن اختزالها في «تقدم» أو «تراجع».
المغرب حسن ترتيبه في التمثيل والحقوق وسيادة القانون مقارنة ببيانات السنة السابقة، لكنه لم يغادر بعد المستوى المنخفض في سيادة القانون، وتراجع في ترتيب المشاركة، وظل ضمن الربع الأخير عالمياً في المشاركة الانتخابية والديمقراطية المحلية.
وتأتي هذه المؤشرات في توقيت سياسي يصعب فصله عن مضمونها.
ففي 23 شتنبر سيتوجه المغاربة إلى انتخابات يفترض أن تفرز أغلبية وبرلماناً وحكومة جديدة، بينما جعلت الأحزاب خلال الحملة من استعادة الثقة وإشراك الشباب وتوسيع المشاركة جزءاً مركزياً من خطابها.
لكن الأرقام الدولية تضع هذا الخطاب أمام اختبار أكثر صرامة.
فنجاح الإصلاح السياسي لن يقاس فقط بعدد الشباب والنساء الموجودين في اللوائح، ولا بحجم الدعم العمومي المخصص للحملات، ولا بعدد النصوص القانونية التي عدلت قبل الانتخابات.
المؤشر الحاسم سيكون عدد المواطنين الذين اقتنعوا بأن التصويت يمكن أن يغير شيئاً، وحجم المشاركة الفعلية يوم الاقتراع، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة بعد ذلك على استعادة ثقة من اختاروا الصندوق ومن بقوا خارجه.
وبين المرتبة 99 عالمياً في المشاركة، والوجود ضمن الربع الأخير في المشاركة الانتخابية، واستمرار سيادة القانون في خانة الأداء المنخفض، يضع تقرير International IDEA أمام الحكومة والأحزاب سؤالاً يصعب حسمه بالقوانين وحدها:
هل تنجح انتخابات 23 شتنبر في تغيير المؤشرات، أم تؤكد مرة أخرى أن المشكلة ليست فقط في قواعد المشاركة، بل في الثقة التي تدفع المواطن إلى استعمالها؟
