بقلم: الباز عبدالإله
يكشف تحديث دولي حديث عن فجوة لافتة بين وجود سجل رسمي بالمغرب يفترض أن يسمح بالتعرف على الأشخاص الحقيقيين الذين يملكون الشركات أو يتحكمون فيها، وبين مستوى إتاحة بيانات هذا السجل واستعمالها بصورة مفتوحة وقابلة للتحليل، بعدما وضعت منصة دولية متخصصة ثلاث خانات متتالية بـ«لا» أمام مؤشرات إتاحة البيانات المغربية.
ويتعلق الأمر بآخر تحديث لصفحة المغرب لدى «Open Ownership»، وهي منظمة دولية غير ربحية متخصصة في شفافية الملكية الفعلية للشركات وتطوير معايير تساعد على تحديد الأشخاص الذين يملكون أو يتحكمون فعلياً في الشركات والهياكل القانونية، بما يسهل على السلطات والصحفيين والمؤسسات المالية والفاعلين في مجال الصفقات تتبع شبكات الملكية والتحقق منها.
وتظهر صفحة المغرب، التي جرى تحديثها في 7 شتنبر 2026، أن المملكة تتوفر فعلاً على «السجل العمومي للمستفيدين الفعليين»، وأنه دخل حيز التشغيل سنة 2022 ويغطي الاقتصاد ككل، مع اعتماد عتبة 25 في المائة ضمن المعايير المستخدمة لتحديد الملكية الفعلية.
لكن عند الانتقال من مجرد وجود السجل إلى طريقة إتاحة بياناته، تظهر ثلاث إجابات سلبية متتالية.
هل البيانات المهيكلة متاحة للعموم؟ الجواب: «لا».
هل تُنشر بيانات المغرب وفق معيار «Beneficial Ownership Data Standard»، المعروف اختصاراً بـ«BODS»؟ الجواب: «لا».
وهل البيانات متاحة من خلال واجهة برمجية «API» تسمح بالبحث الآلي وربطها ببيانات أخرى؟ الجواب أيضاً: «لا».
وهنا تكمن أهمية التحديث.
فالمغرب لم يعد في مرحلة غياب الإطار القانوني أو عدم وجود سجل للمستفيدين الفعليين، بل تجاوز هذه المرحلة منذ سنوات. لذلك أصبح السؤال أكثر تقدماً: إلى أي حد تحولت المعلومات التي تجمعها الدولة إلى بيانات قابلة للفحص والربط والتحليل والاستعمال من طرف الجمهور والباحثين والصحفيين والفاعلين الاقتصاديين؟
والمقصود بـ«المستفيد الفعلي» ليس بالضرورة الاسم الظاهر في واجهة الشركة أو المدير المسجل رسمياً، وإنما الشخص الطبيعي الذي تنتهي إليه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ملكية الشركة أو السيطرة عليها أو الاستفادة الحقيقية منها.
وتصبح هذه المعلومة أكثر أهمية عندما توجد شركات تملك شركات أخرى، أو تتوزع الملكية عبر مستويات متعددة وهياكل قانونية تجعل الوصول إلى الشخص الحقيقي الموجود في نهاية سلسلة الملكية أو السيطرة أكثر تعقيداً.
وقد وضع المغرب الأساس القانوني لهذا النظام ضمن القانون رقم 12.18 المعدل لمنظومة مكافحة غسل الأموال، قبل صدور المرسوم رقم 2.21.708 المتعلق بالسجل العمومي للمستفيدين الفعليين.
وينص المرسوم على إحداث السجل لدى السلطة الحكومية المكلفة بالمالية، ويحدد مهمته في جمع ومركزة وحفظ معلومات دقيقة ومحينة حول المستفيدين الفعليين، ووضعها رهن إشارة الأشخاص والجهات المخول لها الحصول عليها.
كما تُظهر المقتضيات المنظمة للسجل أن الشركات مطالبة بالتصريح بمجموعة واسعة من المعطيات، من بينها بيانات الشركة ورأسمالها وحقوق التصويت، إضافة إلى أسماء المستفيدين الفعليين وجنسياتهم وتواريخ وأماكن ميلادهم وبلدان إقامتهم ونوع السيطرة التي يمارسونها ومدى مصالحهم داخل الشركة.
وهذا يعني أن النقاش الذي يفتحه التقييم الدولي الجديد لا يتعلق أساساً بنقص المعلومات التي يُفترض أن يجمعها السجل.
الإشكال يبدأ بعد جمعها.
فـ«Open Ownership» تعتبر أن بيانات الملكية الفعلية تصبح أكثر فائدة عندما تُنظم وتُنشر بطريقة مهيكلة وقابلة للمعالجة بالحاسوب، لأن ذلك يسمح بربط الشركات بالأشخاص، والشركات ببعضها، ومقارنة المعلومات بقواعد بيانات أخرى، فضلاً عن تتبع التغييرات التي تطرأ على هياكل الملكية بمرور الزمن.
ومن هنا تأتي أهمية معيار «BODS» الذي تسجل المنصة أن المغرب لا ينشر بياناته وفقه.
ولا يتعلق الأمر بقانون دولي ملزم للمغرب أو بتصنيف سياسي، وإنما بمعيار تقني مفتوح طورته Open Ownership من أجل تنظيم بيانات الملكية الفعلية بطريقة موحدة وقابلة للقراءة آلياً والتبادل بين أنظمة مختلفة.
والأمر نفسه ينطبق على غياب واجهة «API».
فغيابها لا يعني أن السجل غير موجود أو أن الوصول إلى معلوماته مستحيل، وإنما يعني عدم توفر قناة تقنية تتيح للبرامج والأنظمة الإلكترونية الاستعلام عن البيانات بصورة آلية وربطها بقواعد بيانات أخرى، بدل الاقتصار على عمليات البحث الفردية أو اليدوية.
وتوضح Open Ownership أن إتاحة البيانات بهذه الصيغة يمكن أن تسهل ربط معلومات الملكية الفعلية، على سبيل المثال، ببيانات الصفقات العمومية أو التراخيص أو سجلات الشركات، وأن تساعد على تتبع شبكات الملكية المعقدة والتحقق بسرعة مما إذا كانت شركات مختلفة تنتهي في الواقع إلى الأشخاص أنفسهم.
وتتقاطع هذه الملاحظات مع تقييم آخر نشرته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «OECD» في مارس 2026.
فالمنظمة تصف السجل المغربي بأنه تشغيلي ومتاح للولوج العمومي، لكنها تسجل في المقابل أن هذا الولوج لا يتيح مجاناً الهوية الكاملة لملاك الشركات.
وهذه الملاحظة مهمة لأنها تمنع الوصول إلى استنتاج يتجاوز ما تقوله المصادر.
فلا يمكن القول إن المغرب «يخفي ملاك الشركات»، كما لا يمكن القول إن السجل مغلق كلياً أمام أي شكل من أشكال الولوج.
الموجود رسمياً هو سجل يعمل، والقانون يفرض التصريح بالمستفيدين الفعليين، وتوجد إمكانات للولوج إلى معلوماته وفق الشروط المحددة.
لكن وجود سجل لا يعني بالضرورة وجود منظومة مفتوحة للبيانات تسمح بالبحث الواسع والربط والتحليل الآلي.
ويؤكد المرسوم المغربي نفسه هذا التمييز، إذ يحدد الجهات التي يمكنها الوصول إلى معلومات السجل في إطار مهامها، ومن بينها السلطات القضائية، وسلطات التحقيق والبحث والمتابعة، والهيئة الوطنية للمعلومات المالية، والسلطات الرقابية، والمديرية العامة للضرائب، وإدارة الجمارك، إضافة إلى الأشخاص الخاضعين لقانون مكافحة غسل الأموال، مع إخضاع بعض أشكال الولوج لأداء رسم.
وهنا ينتقل النقاش من مجرد وجود السجل إلى مستوى الشفافية الذي يوفره.
فإذا كانت الدولة تجمع بالفعل بيانات دقيقة حول الأشخاص الذين يقفون فعلياً وراء الشركات، يصبح من المشروع التساؤل عن سبب عدم إتاحة أجزاء أوسع من هذه البيانات بصورة مهيكلة وقابلة للبحث والتحليل والمقارنة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حماية المعطيات الشخصية التي يفرضها القانون.
ولا يتعلق الأمر بمجرد فضول لمعرفة من يملك هذه الشركة أو تلك.
فبيانات المستفيدين الفعليين أصبحت في عدد متزايد من الدول أداة مرتبطة بمراقبة الصفقات العمومية، ومكافحة غسل الأموال، والتحقق من تضارب المصالح، وكشف الروابط بين الشركات، ومساعدة المؤسسات المالية على معرفة الشخص الحقيقي الموجود خلف الهيكل القانوني.
وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر عند وضعها بجانب ملف الصفقات العمومية.
فالمواطن يستطيع معرفة الشركة التي فازت بصفقة عمومية، ويمكنه في حالات كثيرة معرفة قيمة الصفقة وموضوعها والجهة التي منحتها.
لكن المستوى الأكثر تقدماً من الشفافية يطرح سؤالاً آخر: من يملك هذه الشركة فعلياً؟
وهل يستطيع الصحفي أو الباحث أو المنافس الاقتصادي أن يربط بسرعة بين عدد من الشركات لمعرفة ما إذا كانت تعود في النهاية إلى المستفيد الفعلي نفسه؟
وهل يمكن مقارنة هذه المعلومات آلياً مع قواعد بيانات الصفقات والتراخيص والمصالح الاقتصادية، بدل البحث في كل شركة بصورة منفصلة؟
هنا تحديداً تكتسب الخانات الثلاث التي تسجلها Open Ownership معناها الذي يتجاوز الجانب التقني.
بيانات مهيكلة متاحة للعموم: لا.
نشر وفق معيار BODS: لا.
ولوج عبر API: لا.
ولا تعني هذه الإجابات الثلاث أن السجل المغربي غير فعال، كما لا تقدم Open Ownership حكماً بوجود فساد أو تضارب مصالح بسبب غياب هذه الأدوات.
بل إن المنظمة نفسها تنبه إلى أن خريطتها تعتمد على مصادر متاحة للعموم وأن المعلومات المعروضة قد لا تكون شاملة في جميع الحالات.
لكن التحديث يفتح سؤالاً مشروعاً حول المرحلة المقبلة من الإصلاح.
فالمغرب أنجز مرحلة مهمة عندما وضع الإطار القانوني وأحدث السجل وألزم الشركات بالتصريح بالمستفيدين الفعليين.
أما التحدي التالي فهو تحويل هذه الكتلة من المعلومات إلى أداة شفافية يمكن استخدامها ومقارنتها والتحقق منها، بدل أن تبقى فائدتها الأكبر محصورة في الجهات المخول لها الولوج أو في عمليات البحث الفردية.
وتزداد أهمية هذا السؤال في وقت تضع فيه الحكومة الرقمنة والشفافية وتحسين مناخ الأعمال ضمن الإصلاحات التي تروج لها داخلياً ودولياً.
فالرقمنة لا تقاس فقط بوجود منصة إلكترونية، والشفافية لا تتحقق فقط بوجود سجل يحمل صفة «عمومي».
المعيار الأكثر دلالة هو مقدار ما يستطيع الجمهور والباحث والمؤسسة والصحفي فعله بالمعلومة بعد جمعها.
وإذا كان تحديث 7 شتنبر 2026 يسجل أن المغرب يمتلك سجلاً يعمل منذ 2022، لكنه لا يتيح بيانات مهيكلة للعموم، ولا ينشرها وفق معيار BODS، ولا يوفرها عبر API، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يوجد سجل للمستفيدين الفعليين؟
السؤال أصبح أكثر دقة وإحراجاً:
متى ينتقل المغرب من جمع بيانات الأشخاص الذين يقفون فعلياً وراء الشركات إلى جعل جزء أوسع من هذه البيانات قابلاً للفحص والربط والتحليل، حتى تصبح الشفافية أداة عملية لا مجرد إطار قانوني مكتمل؟
