بقلم: الباز عبدالإله
بعد نحو أربع سنوات من إدماج المغرب لقاح فيروس الورم الحليمي البشري «HPV» ضمن البرنامج الوطني للتمنيع، تضع دراسة علمية جديدة واحداً من أكثر مؤشرات الوقاية الصحية حساسية تحت المجهر، بعدما سجلت نسبة رفض بلغت 31.6 في المائة داخل عينة تضم 1,099 تلميذة مغربية تتراوح أعمارهن بين 11 و14 سنة، فيما أظهرت النتائج أن الخوف من الآثار الجانبية والاعتقاد بإمكانية تسبب اللقاح في العقم وضعف المعرفة بسرطان عنق الرحم جاءت ضمن العوامل المرتبطة بالرفض.
الدراسة، المنشورة يوم 25 شتنبر 2026 في مجلة «BMC Public Health» التابعة لـSpringer Nature، حملت عنوان «انتشار ومحددات رفض لقاح فيروس الورم الحليمي البشري بين المراهقات في المغرب»، واعتمدت مقابلات فردية مباشرة واستبياناً منظماً لقياس المعرفة بالفيروس واللقاح، والتصورات المرتبطة بسلامته، والثقة في النظام الصحي، والتأثيرات الاجتماعية، ومدى إدراك خطر الإصابة بالفيروس.
وشملت الدراسة 1,099 تلميذة في التعليم الإعدادي، بمتوسط عمر بلغ 13 سنة، وسجلت نسبة رفض للقاح بلغت 31.6 في المائة بين المشاركات.
ولا تسمح طبيعة العينة بتعميم هذه النسبة على جميع الفتيات المغربيات، لكنها تقدم مؤشراً بحثياً مهماً حول التحديات المرتبطة بقبول اللقاح داخل الفئة العمرية المستهدفة.
اللافت في النتائج لا يرتبط بالرقم وحده، بل بطبيعة العوامل التي رافقته.
فقد أظهر التحليل الإحصائي المتعدد ارتباطاً مستقلاً بين رفض اللقاح وبين الاعتقاد بأنه قد يتسبب في العقم، والتخوف من آثاره الجانبية، وضعف المعرفة بالفئة المستهدفة بالتطعيم، وقلة الوعي بسرطان عنق الرحم وسبل الوقاية منه، إلى جانب انخفاض الشعور بخطر الإصابة بفيروس HPV وتأثير بعض التصورات الاجتماعية السلبية.
وسجلت الدراسة كذلك ارتباط الرفض بعوامل أسرية واجتماعية، من بينها رفض الوالدين سابقاً واحداً على الأقل من اللقاحات الروتينية وأمية الأب، فيما ظهرت أيضاً فروق مرتبطة بمستوى دخل الأسرة، بما يعكس تداخل المعرفة والثقة والتصورات الاجتماعية والوضعية السوسيو-اقتصادية في تشكيل الموقف من التطعيم.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بالنظر إلى أن المغرب أدخل لقاح HPV إلى البرنامج الوطني للتمنيع سنة 2022، في إطار استراتيجية الوقاية من سرطان عنق الرحم، مع استهداف الفتيات خصوصاً في سن 11 عاماً، فيما واصلت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال السنوات التالية إدراج التلقيح ضمن وسائل الوقاية التي تروج لها في حملاتها الوطنية.
المعطى الجديد ينقل النقاش من مجرد توفير جرعات اللقاح إلى فعالية التواصل الصحي المصاحب لهذه السياسة الوقائية. فإذا كانت المخاوف من العقم والآثار الجانبية، إلى جانب ضعف المعرفة، ما تزال مرتبطة بالرفض داخل العينة التي شملتها الدراسة، فإن التحدي لا يرتبط فقط بإتاحة اللقاح، بل أيضاً بمدى وصول المعلومة الطبية الصحيحة إلى المراهقات والأسر، وقدرة الحملات العمومية على مواجهة المفاهيم الخاطئة والتصورات السلبية المرتبطة بالتطعيم.
ويزداد هذا المؤشر أهمية عند مقارنته بنتائج دراسة أخرى منشورة خلال 2026، شملت 1,444 من آباء وأمهات فتيات تتراوح أعمارهن بين 11 و14 سنة، وسجلت أن 28.7 في المائة من المشاركين رفضوا تلقيح بناتهم ضد HPV. وربطت تلك الدراسة الرفض بعوامل من بينها ضعف المعرفة بسرطان عنق الرحم، والثقة المحدودة في النظام الصحي، وصعوبة الولوج إلى بعض المرافق الصحية، وغياب توصية كافية من مهنيي الصحة لدى بعض المشاركين.
تقاطع نتائج الدراستين لا يعني أن ثلث الأسر أو ثلث الفتيات المغربيات يرفضن اللقاح على المستوى الوطني، لأن كل دراسة تعتمد عينة ومنهجية محددتين، لكنه يقدم إشارات متكررة إلى وجود فجوة بين إتاحة وسيلة الوقاية وبين درجة قبولها والثقة فيها وفهم الغاية الصحية منها.
وزارة الصحة كانت قد أكدت في حملتها الوطنية لسنة 2025 للوقاية والكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم أن الوقاية من سرطان عنق الرحم تشمل تلقيح الفتيات في سن 11 عاماً ضد فيروس HPV، ما يجعل نتائج الدراسة الجديدة مرتبطة مباشرة بأحد المكونات المعلنة للسياسة الوطنية للوقاية من السرطان.
الباحثون خلصوا إلى أن رفض لقاح HPV داخل العينة يرتبط بنقص المعرفة، والمفاهيم الخاطئة حول سلامة اللقاح، وضعف إدراك خطر الإصابة، إلى جانب التأثيرات الاجتماعية والثقافية، ودعوا إلى تدخلات تواصلية ملائمة للسياق الثقافي، ترفع مستوى المعرفة وتواجه التصورات الخاطئة وتقوي فهم المخاطر المرتبطة بالفيروس.
الدراسة لا تثبت وجود فشل حكومي ولا تحدد مسؤولية جهة بعينها، كما أن طبيعتها المقطعية لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة بين العوامل المرصودة وقرار الرفض، لكنها تضع أمام السياسة الصحية مؤشراً يصعب تجاهله: نسبة رفض بلغت 31.6 في المائة داخل عينة من 1,099 تلميذة، فيما ظهرت المفاهيم الخاطئة والخوف وضعف المعرفة ضمن أبرز العوامل المرتبطة بالموقف من اللقاح.
المغرب نجح في إدخال اللقاح إلى البرنامج الوطني، لكن الدراسة الجديدة تنقل النقاش إلى المرحلة الأصعب: هل وصلت الثقة والمعلومة بالسرعة نفسها التي وصل بها اللقاح؟
