لا تكمن القيمة الأساسية للدراسة التي أنجزها الباحث نعيم بوسلهام حول «المؤسسة الملكية والحركات الإسلامية في المغرب» في إعادة سرد ثلاثة عقود من العلاقة المعقدة بين الدولة والإسلاميين، بقدر ما تكمن في الرهان الفكري الذي تقترحه: البحث عن الخيط الذي يصل بين أسئلة أكاديمية صيغت سنة 1993 وبين التحولات السياسية والدينية والأمنية التي شهدها المغرب خلال ربع قرن من حكم الملك محمد السادس.
الدراسة، المنشورة في العدد العاشر من «مجلة أوربة للدراسات والأبحاث القانونية والعلوم الإنسانية»، وهي مجلة علمية محكمة، تحمل توقيع نعيم بوسلهام، الباحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، وتقترح منذ عنوانها مساراً بحثياً واسعاً يمتد من أطروحة ولي العهد سنة 1993 إلى إعادة تشكيل الحقلين الديني والسياسي في المغرب.
وتبرز إحدى نقاط قوة العمل في أن الباحث لا يقرأ علاقة المؤسسة الملكية بالحركات الإسلامية وفق ثنائيات جاهزة من قبيل القمع والاستيعاب، أو المواجهة والتساهل، أو الإدماج والإقصاء. عوض ذلك، يبني مفهوماً مركزياً أكثر تركيباً هو «الضبط والاحتواء المشروط»، باعتباره مدخلاً لفهم سياسة لم تتجه، وفق أطروحة الدراسة، إلى إدماج مفتوح بلا ضوابط، كما لم تختَر الإقصاء الشامل بما يمكن أن يترتب عنه من انتقال نحو السرية والراديكالية.
وتزداد أهمية هذا الاختيار عندما يقترب البحث من أطروحة الدكتوراه التي ناقشها ولي العهد آنذاك سنة 1993، حيث يتجنب بوسلهام واحداً من أكثر الاستنتاجات إغراءً من الناحية الصحفية والسياسية، وهو التعامل مع تلك الأطروحة كما لو كانت برنامجاً مسبقاً لما سيجري بعد اعتلاء العرش.
فالدراسة تذكّر بوضوح بأن الأطروحة الأصلية كانت عملاً أكاديمياً في القانون العام، تمحور أساساً حول التعاون بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية واتحاد المغرب العربي، ولم تُكتب باعتبارها بياناً سياسياً أو برنامج حكم مستقبلي. ولذلك لا يتعامل معها الباحث بوصفها «خطة مسبقة»، بل باعتبارها مرصداً معرفياً يسمح بفهم بعض التصورات والأسئلة التي كانت مطروحة حول الحركات الإسلامية ومعضلة الإدماج والإقصاء قبل اعتلاء العرش.
وتمنح هذه المسافة المنهجية البحث قدراً واضحاً من الصرامة، لأنها تنتقل من فرضية السببية المباشرة، التي يصعب إثباتها علمياً، إلى سؤال أكثر تركيباً: هل يمكن العثور على صلات بين بعض الإشكالات التي حضرت في النص الأكاديمي المبكر وبين الخيارات التي ستتبلور لاحقاً داخل سياسات الدولة؟
ولمقاربة هذا السؤال، يعتمد الباحث مساراً يجمع بين تحليل الخطاب السياسي والنصوص الرسمية من جهة، والسوسيولوجيا التاريخية والمؤسساتية من جهة أخرى، ويتتبع محطات مفصلية تمتد من 1993 إلى 1999 و2003 وما أعقبها من تحولات سياسية وأمنية ودينية.
ومن خلال إعادة بناء مضامين أطروحة 1993، لا تختزل الدراسة صعود الحركات الإسلامية في العامل الديني وحده، بل تضع الظاهرة داخل شبكة أوسع من المحددات تشمل تعثر بعض النماذج التنموية، وتراجع جاذبية أيديولوجيات سياسية سابقة، وتأثير هزيمة 1967 والثورة الإيرانية سنة 1979، والبطالة والهجرة القروية والهشاشة الاجتماعية، إضافة إلى طبيعة المجال السياسي ومدى انفتاحه أو انغلاقه.
ويستخرج بوسلهام من هذه القراءة فكرة ستصبح لاحقاً إحدى ركائز الدراسة، مفادها أن إغلاق المجال السياسي قد يدفع المعارضة إلى السرية والراديكالية، بينما يحمل الإدماج غير المشروط بدوره مخاطر سياسية خاصة.
وبهذا المعنى، لا يظهر الإسلام السياسي في الدراسة باعتباره ظاهرة منفصلة عن المجتمع، وإنما باعتباره نتاج تفاعل بين الاقتصاد والسياسة والتحولات الإقليمية وأسئلة الهوية والاندماج الاجتماعي.
ومن هنا تتولد المعضلة التي تعبر البحث كله: كيف يمكن للدولة فتح المجال أمام فاعل إسلامي من دون أن تتحول المشاركة إلى وسيلة لإعادة تعريف قواعد النظام نفسه، وكيف يمكن في المقابل ضبط هذا الفاعل من دون أن يدفع الإغلاق الكامل نحو السرية والتطرف؟
ويأخذ هذا السؤال بعداً أعمق عندما ينتقل البحث إلى وظيفة إمارة المؤمنين، التي لا تظهر في التحليل باعتبارها مجرد رمز دستوري أو امتداد تاريخي للنظام السياسي، وإنما باعتبارها إحدى البنيات المنظمة للشرعية الدينية في المغرب.
وتنطلق الدراسة من فكرة أن وجود مركز أعلى للشرعية الدينية يجعل علاقة الدولة المغربية بالحركات الإسلامية مختلفة عن نماذج إقليمية واجهت فيها السلطة الإسلام السياسي من موقع لا يملك المرجعية الدينية نفسها.
ومن هنا تتبلور داخل البحث معادلة دقيقة تقوم على إمكانية وجود تعددية سياسية من دون أن يعني ذلك وجود تعدد في مراكز إنتاج الشرعية الدينية للدولة.
وتظهر هذه الفكرة بصورة أوضح عندما يرصد الباحث ما يسميه المفارقة بين اتساع المجال السياسي أمام بعض الإسلاميين، وصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة بين 2011 و2021، وبين استمرار تشديد التنظيم المؤسساتي للحقل الديني.
وفي تفسير الدراسة، لا يشكل الأمر بالضرورة تناقضاً، لأن المشاركة السياسية شيء، ومنافسة الدولة في إنتاج الشرعية الدينية شيء آخر. وهنا يتحول السؤال من مجرد البحث في ما إذا كان الإسلاميون يشاركون أم لا، إلى سؤال أكثر تركيباً: أي إسلاميين؟ وبأي شروط؟ وداخل أي مؤسسات؟ وتحت أي سقف ديني وسياسي؟
وتتخذ هذه المعادلة شكلاً أكثر وضوحاً بعد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، التي تجعل منها الدراسة نقطة انعطاف مركزية في مسار العلاقة بين الدولة والحقل الإسلامي.
فقبل هذه اللحظة، كان جزء مهم من الملف يرتبط بتدبير التوازن السياسي بين الدولة والحركات الإسلامية، بينما أصبح بعد الأحداث تدبير المجال الديني نفسه جزءاً من معادلة الأمن والاستقرار.
ويقرأ بوسلهام هذه المرحلة باعتبارها انتقالاً من إدارة الفاعلين الإسلاميين إلى إعادة تنظيم الحقل الديني ذاته، من خلال إعادة ترتيب المؤسسات، وتأطير المساجد، ومأسسة الفتوى، ومراجعة التعليم الديني، وتعزيز المرجعية المالكية الأشعرية والتصوف السني، إلى جانب تطوير منظومة تكوين الأئمة.
وبذلك ينتقل السؤال من أي تنظيم يمكن إدماجه أو احتواؤه، إلى سؤال أوسع يتعلق بمن ينتج الخطاب الديني، ومن يؤطره، ومن يمتلك سلطة الفتوى، ومن يحدد قواعد المجال الديني العمومي.
ولا تقدم الدراسة هذه الهندسة الدينية باعتبارها نموذجاً بلا حدود أو ثغرات، بل تتوقف عند التجنيد الجهادي المرتبط بالحرب في سوريا والعراق باعتباره مؤشراً على أن إعادة تنظيم المساجد والمؤسسات الدينية لا تكفي وحدها لمواجهة تطرف قادر على الانتقال عبر الشبكات المغلقة والفضاء الرقمي، واستثمار الهشاشة الاجتماعية والشعور بانسداد الآفاق لدى بعض الشباب.
وهنا تصل الدراسة إلى واحدة من أكثر خلاصاتها أهمية، حين تؤكد أن «الأمن الروحي» لا يمكن أن يختزل في الضبط الديني والمؤسساتي وحده، بل يحتاج إلى أن يقترن بالتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والانفتاح الحقوقي حتى تتحقق حصانة مجتمعية أوسع.
وتمنح هذه النقطة البحث بعداً يتجاوز القراءة الأمنية والمؤسساتية، لأنها تعيد جزءاً من سؤال التطرف إلى البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تغذيه، ولا تحصره في الأفكار والتنظيمات والأجهزة.
ويظهر الحذر نفسه عند تناول قانون مكافحة الإرهاب، إذ تقر الدراسة بأن مرحلة ما بعد هجمات 2003 عرفت تقوية للأدوات القانونية والأمنية، وتتوقف في الوقت نفسه عند الانتقادات الحقوقية المرتبطة ببعض مقتضيات القانون، من دون مساواة آلية بين مكافحة الإرهاب واستهداف العمل السياسي الإسلامي.
ولذلك لا يقدم بوسلهام مرحلة ما بعد 2003 باعتبارها انتقالاً بسيطاً من «الانفتاح» إلى «القمع»، وإنما باعتبارها إعادة ترتيب للعلاقة بين الإصلاح والأمن.
ومن هذه الزاوية، لا يكون الإصلاح قد توقف، بل تكون مساحاته وحدوده قد أصبحت تتحرك داخل هندسة أكثر حساسية لمتطلبات الاستقرار والأمن، وهو ما يسمح للباحث ببناء قراءة لا تقوم على القطيعة بين مرحلتين، بقدر ما تقوم على إعادة توزيع مستمرة للأولويات.
ومن خلال هذا المسار، تنتهي الدراسة إلى أربعة محاور مترابطة تشكل بنيتها الفكرية الأساسية: الرؤية السوسيولوجية المبكرة لأطروحة 1993، مركزية إمارة المؤمنين، التحول الهيكلي الذي أعقب أحداث 2003، ثم المعادلة المزدوجة بين الأمن والحقوق.
والقراءة المتأنية لهذا العمل تكشف في النهاية أن موضوعه يتجاوز الحركات الإسلامية نفسها، لأنه يتحول، في مستوى أعمق، إلى بحث في كيفية اشتغال الدولة المغربية عندما تواجه فاعلاً يجمع بين الدين والسياسة والاحتجاج الاجتماعي والقدرة التنظيمية.
وتأتي القيمة الفكرية للعمل من محاولته وصل مستويات غالباً ما تُدرس منفصلة: النص الأكاديمي، والشرعية الدينية، والنظام الحزبي، والأمن، والتشريع، والمؤسسات الدينية، والجهادية العابرة للحدود، ثم سؤال الحقوق.
ولذلك لا تبدو عبارة «الضبط والاحتواء المشروط» مجرد صيغة لغوية جذابة، بقدر ما تبدو المفهوم الذي ينظم البنية الداخلية للبحث كله.
فالمسار الذي يعيد بوسلهام تركيبه ليس تاريخ انتصار خيار نهائي على آخر، وإنما تاريخ إدارة توتر دائم بين الإدماج والضبط، وبين المشاركة السياسية ووحدة المرجعية الدينية، وبين الإصلاح ومتطلبات الأمن والاستقرار.
وفي هذا المستوى تحديداً، تنتقل الدراسة من وصف الوقائع إلى اقتراح تفسير لها.
وتلك ربما أهم قيمة يمكن أن يحملها بحث سوسيولوجي وسياسي من هذا النوع: ألا يكتفي بإخبارنا بما وقع، بل أن يمنحنا مفاهيم تسمح بفهم لماذا اتخذت الوقائع هذا المسار، ولماذا ظلت العلاقة بين الدين والسياسة والأمن والحقوق واحدة من أكثر العلاقات تركيباً في التجربة المغربية الحديثة.
