بقلم: الباز عبدالإله
ترسانة قانونية لمواجهة العنف ضد النساء، وشبكة من الخلايا والمراكز والآليات المخصصة للاستقبال والتوجيه والحماية، لكن الوصول الفعلي إلى هذه الخدمات لا يبدو متساوياً بين جميع المناطق والفئات.
هذه إحدى أبرز الصور التي يرسمها تقرير بلجيكي رسمي جديد خصص 51 صفحة لفحص منظومة التكفل بالنساء ضحايا العنف في المغرب.
التقرير، الصادر في 11 شتنبر 2026 عن وحدة البحث «Cedoca» التابعة للمفوضية العامة للاجئين وعديمي الجنسية في بلجيكا، يحمل عنوان «التكفل بالنساء ضحايا العنف في المغرب».
وأُعد لتوفير معلومات موثقة تُستخدم في دراسة طلبات الحماية الدولية، بالاعتماد على مصادر رسمية ودولية وتقارير ودراسات، إلى جانب مهمة ميدانية بالمغرب ومقابلات جرى تحديث بعضها خلال سنة 2026، فيما أُغلق البحث الوثائقي في 4 غشت من السنة نفسها.
الوثيقة لا تقدم نفسها باعتبارها حكماً سياسياً على المغرب، بل تجمع معطيات حول الإطار القانوني والمؤسساتي ومستوى الولوج إلى آليات الحماية.
وتسجل في هذا السياق التطور الذي عرفته المنظومة المغربية، خصوصاً منذ دخول القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء حيز التطبيق، وإحداث خلايا متخصصة داخل المحاكم والأجهزة الأمنية والمؤسسات الصحية، إلى جانب الفضاءات متعددة الوظائف والجمعيات العاملة في الاستماع والتوجيه والإيواء.
في المقابل، تشير المعطيات التي يجمعها التقرير إلى أن مستوى التكفل قد يختلف بحسب المنطقة والمؤسسة والمهنيين المتدخلين، إضافة إلى وضع الضحية ومواردها وشبكة الدعم العائلية والاجتماعية المتوفرة لها.
ويستحضر التقرير معطيات تشير إلى إنشاء 88 خلية متخصصة للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف داخل محاكم الدرجة الأولى والاستئناف، بينما أفادت الحكومة المغربية، ضمن معطيات قدمتها إلى لجنة «سيداو» في يوليوز 2024، بوجود نحو 105 فضاءات متعددة الوظائف للنساء عبر التراب الوطني.
كما يورد التقرير وجود 288 مركزاً للاستماع والتوجيه، مع اختلاف في طبيعة الخدمات والتغطية الترابية.
غير أن وجود المؤسسة لا يعني بالضرورة معرفة النساء بها. فاستناداً إلى معطيات للمندوبية السامية للتخطيط منشورة سنة 2021، لم تتجاوز نسبة المستجوبات اللواتي يعرفن بوجود خلايا الاستقبال الحكومية المخصصة للنساء ضحايا العنف 40.7 في المائة.
النسبة تنخفض إلى 26.3 في المائة وسط النساء القرويات، وإلى 26.5 في المائة وسط غير المتمدرسات.
وهي معطيات تعود إلى سنوات سابقة ولا تمثل قياساً جديداً لسنة 2026، لكنها تظل من المؤشرات التي يستحضرها التقرير لفهم الصعوبات المرتبطة بالوصول إلى منظومة الحماية.
الفجوة تظهر بصورة أوضح عند الانتقال من معرفة الآلية إلى استعمالها فعلياً.
فالتقرير يستحضر نتائج المسح الوطني حول العنف ضد النساء، والتي أظهرت أن 10.4 في المائة فقط من ضحايا العنف الجسدي أو الجنسي، ضمن الحالات التي شملتها المعطيات، اتخذن إجراءً قانونياً أو تقدمن بشكوى إلى جهة مختصة.
وتنخفض النسبة إلى 7.5 في المائة عندما يتعلق الأمر بالعنف داخل العلاقة الزوجية، مقابل 11.3 في المائة بالنسبة للعنف خارجها.
هذه الأرقام ليست بدورها حصيلة لسنة 2026، لكنها تبرز المسافة التي كانت قائمة بين التعرض للعنف وبين الولوج إلى مسار الشكاية والمتابعة.
وتورد المصادر التي يجمعها التقرير ضمن العوامل المفسرة لهذه الفجوة الضغوط العائلية والاجتماعية، والخوف من الانتقام أو الوصم، والتبعية الاقتصادية، والاعتبارات المرتبطة بالأطفال، إضافة إلى محدودية الثقة في بعض المؤسسات لدى جزء من الضحايا.
غير أن إحدى أكثر الإشارات حداثة في الوثيقة تعود إلى 15 يونيو 2026، وتتعلق مباشرة بقدرة بعض هياكل الإيواء على الاستمرار في تقديم خدماتها.
فوفق إفادة أسماء فاخوري التي استشارتها Cedoca، تراجع عدد مراكز الاستماع والإيواء التي تديرها شبكة LDDF-INJAD من 14 إلى 10 بسبب قيود مرتبطة بالميزانية، كما تقلصت مدة الإيواء القصوى من ستة أشهر إلى شهرين.
هذا الرقم يخص الشبكة المذكورة تحديداً، ولا يتعلق بمجموع مراكز الإيواء في المغرب، لكنه يقدم مثالاً حديثاً على الطريقة التي يمكن أن تنعكس بها إكراهات التمويل على قدرة بعض البنيات الميدانية على استقبال النساء في وضعيات هشاشة واستعجال.
ملف الإيواء يمثل، في هذا السياق، إحدى أكثر النقاط حساسية في الوثيقة.
فالتقرير ينقل عن عدد من مصادره أن محدودية هياكل الإيواء، إلى جانب نقص التمويل والموارد البشرية والمادية، تشكل من بين الصعوبات التي تواجه التكفل بالنساء في وضعيات العنف.
ويستحضر في هذا السياق دراسة تعود إلى سنة 2021 أحصت آنذاك 76 مركزاً متعدد الوظائف، بينها 40 فضاءً متعدد الوظائف للنساء، بطاقة إجمالية تقدر بنحو 1,027 سريراً، مع الإشارة إلى أن القدرة الاستيعابية كانت غير كافية مقارنة بالحاجات، فضلاً عن وجود تفاوتات جهوية.
ويورد التقرير، نقلاً عن المصدر نفسه، أن بعض الفضاءات متعددة الوظائف للنساء لا تعمل دائماً بكامل قدرتها بسبب إكراهات تمويل التسيير، وأن التمويلات السنوية التي تحصل عليها بعض الجمعيات المسيرة «لا تتجاوز عموماً 12 ألف يورو».
هذه المعلومة ليست رقماً رسمياً صادراً عن وزارة التضامن أو التعاون الوطني، وإنما إفادة نقلها التقرير عن أحد مصادره، ولذلك لا يمكن تعميمها على جميع الفضاءات أو تقديمها باعتبارها الميزانية الوطنية الرسمية لهذه المؤسسات.
المعطيات التي يجمعها التقرير ترسم بذلك صورة مركبة. المغرب يتوفر على قانون متخصص، وخلايا داخل المحاكم والمؤسسات الصحية والأجهزة الأمنية، ومراكز وفضاءات للاستماع والتوجيه والإيواء، فيما تسجل المصادر التي استندت إليها الوثيقة في المقابل صعوبات مرتبطة بالمعرفة بهذه الآليات، والتغطية الترابية، والتمويل، والقدرة على الإيواء واختلاف مستوى الخدمات.
السؤال الذي تفتحه الوثيقة، لذلك، لا يتعلق بعدد القوانين والمراكز فقط، بل بما يحدث عندما تحتاج امرأة معنفة إلى الحماية فعلياً: هل تعرف أين تتوجه؟ وهل تصل إلى المؤسسة المناسبة؟ وهل تجد المواكبة والمكان الآمن عندما يصبح الرجوع إلى المنزل غير ممكن؟
تقرير Cedoca يوثق وجود منظومة للحماية وتطورها، لكنه يضع في المقابل فعالية هذه المنظومة أمام اختبار أكثر دقة: ما الذي تحصل عليه الضحية فعلياً لحظة طلب الحماية، وليس فقط عدد النصوص والهياكل الموجودة على الورق.
