شنت الباحثة الجامعية والناشطة الحقوقية لطيفة البوحسيني هجوماً سياسياً حاداً على عبد اللطيف وهبي، وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، على خلفية تصريحاته بشأن تشديد المقتضيات القانونية المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي، متهمة إياه بالسعي إلى تكميم الأفواه المنتقدة للسياسيين، والعجز عن استيعاب الرسائل التي حملتها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
واختارت البوحسيني، في تدوينة نشرتها على صفحتها بموقع «فيسبوك»، عبارة «وهبي يهدد ويتوعد» لتكون مدخلاً لهجومها، معتبرة أن الوزير يتحدث عن اعتماد قانون لتجريم ما يجري على شبكات التواصل الاجتماعي حتى قبل التأكد من استمراره في منصبه ضمن التشكيلة الحكومية المقبلة، «وكأنه متأكد من استمراره وزيراً».
وجاءت تدوينتها في سياق الجدل الذي أثارته تصريحات أدلى بها وهبي لجريدة «هسبريس»، نُشرت الجمعة 2 أكتوبر 2026، أعلن فيها أنه سيجعل مواجهة الأخبار الزائفة وتنظيم مواقع التواصل الاجتماعي من أولوياته إذا استمر وزيراً للعدل، متحدثاً عن مقتضيات مرتقبة في مشروع القانون الجنائي، ومؤكداً أن السنوات الخمس المقبلة ستكون «أسوأ» على من وصفهم بالراغبين في الإساءة إلى المغرب.
غير أن البوحسيني رأت في هذه التصريحات توجهاً يتعامل مع الظواهر الاجتماعية بمنطق الزجر والتهديد، بدل البحث في أسبابها العميقة، مشددة على أن رفض الكلام الساقط والعنف اللفظي لا يعني التسليم بأن التشريعات العقابية وحدها قادرة على القضاء عليهما، خاصة في غياب سياسات عمومية تستهدف العوامل المساعدة على انتشارهما وتفكك البيئة التي يتغذيان منها.
وانتقلت البوحسيني من انتقاد التوجه التشريعي الذي تحدث عنه وهبي إلى مساءلته عن حصيلة التجربة الحكومية السابقة، قائلة إنه «يهدد ويتوعد وكأن الانتخابات شهدت نسب مشاركة عالية معبرة عن رضاها»، بينما اعتبرت أن نتائجها شكلت «صفعة له ولحكومته ولأغلبيته الثلاثية».
واستحضرت البوحسيني في هذا السياق ما سمته «صاك طنجة»، في إشارة إلى القضية المرتبطة بأوراق الاقتراع خلال الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 بمدينة طنجة، والتي فُتح بشأنها بحث قضائي.
وكان حزب الأصالة والمعاصرة قد رفض في البداية الاتهامات الموجهة إليه، معتبراً ما جرى «مؤامرة سياسية» تستهدفه، قبل أن تعلن لجنته الوطنية للتحكيم والأخلاقيات، يوم 2 أكتوبر، تجميد عضوية منير ليموري، رئيس جماعة طنجة والأمين الإقليمي للحزب، في جميع هياكله، مع التأكيد على احترام قرينة البراءة واستقلالية القضاء.
وربطت البوحسيني بين الجدل الذي أثارته هذه القضية وبين انتشار الاحتقان والعنف اللفظي، معتبرة أن مواجهة مختلف أشكال العنف ينبغي أن تبدأ أيضاً بمساءلة من يتحملون مسؤوليات عمومية وتحوم حولهم شبهات تضارب المصالح، بدل الاكتفاء بملاحقة التعبيرات الغاضبة على المنصات الرقمية.
وفي أحد أكثر مقاطع التدوينة حدة، اتهمت البوحسيني وهبي بتوظيف شعار محاربة الكلام الساقط لفتح الباب أمام التضييق على الانتقاد السياسي، وكتبت: «أسهل طريق، يا سي وهبي، هو التهديد باعتماد قانون؛ واضح أن الغرض منه ليس محاربة الكلام الساقط، بل بالأحرى تكميم الأفواه المنتقدة للسياسة والسياسيين، وأنت من بينهم».
وحذرت من صعوبة رسم الحدود الفاصلة بين الإساءة والنقد السياسي، خاصة حين يصبح المسؤول السياسي طرفاً في تحديد ما يعتبره كلاماً ساقطاً، قائلة: «فما تعتبره أنت كلاماً ساقطاً قد يكون فقط نقداً لاذعاً، والعكس بالعكس صحيح»، في إشارة إلى مخاوفها من تحول المقتضيات القانونية المرتقبة إلى وسيلة للتضييق على حرية التعبير.
ولم تتوقف انتقادات البوحسيني عند حدود القانون المرتقب، بل امتدت إلى ما وصفته بالدفاع عن الامتيازات غير المستحقة، إذ اتهمت بعض السياسيين بالسعي إلى حماية مواقعهم من النقد، مستحضرة ملف «الفراقشية» والأموال التي قالت إنها انتهت إلى جيوب المستفيدين، في ظل ما وصفته بدعم وصمت الأغلبية الحكومية السابقة.
واعتبرت أن أشكال العنف لا تنحصر في الألفاظ المتداولة على الإنترنت، بل تشمل أيضاً الممارسات المرتبطة باستغلال المسؤولية العمومية وتضارب المصالح، واصفة هذا النوع من الممارسات بأنه «عنف كبير جداً تتناسل عنه أشكال متنوعة ومتعددة من العنف، الواعي والمضمر، المباشر وغير المباشر».
وعادت البوحسيني إلى نتائج الانتخابات لتوجه انتقاداً مباشراً إلى الحس السياسي لوهبي، معتبرة أن من يعجز عن استيعاب «الصفعة الانتخابية»، وعن التقاط الرسالة السياسية التي وجهتها أغلبية الكتلة الناخبة، يفتقد «للحد الأدنى من الحس السياسي ومن أخلاقيات السياسة».
ثم صعّدت لهجتها متحدثة عن فئة دخلت السياسة من أبواب «النفعية الانتهازية»، دون رصيد أو تجربة سياسية حقيقية، واتهمتها بتنفيذ ما وصفته بـ«إملاءات أوليغارشية ريعية» لا مشروع سياسي لها، مقابل امتلاك قدرة كبيرة على الاستفزاز اللفظي.
وختمت البوحسيني تدوينتها بحكم سياسي قاسٍ على نموذج المسؤول الذي ترى أن وهبي يمثله، معتبرة أن بعض الشخصيات تفتقر إلى ما تتطلبه خدمة الصالح العام من حكمة ورزانة وبعد نظر، قبل أن تكتب: «هناك رجال يستحيل أن يرتقوا إلى مستوى رجل الدولة… لأن جيناتهم السياسية تحول دون ذلك… وهم غالبية من سلطهم الزمن على رقابنا… وليس وهبي إلا نموذجاً من هذه العينة».
