بقلم: الباز عبدالإله
في أدبيات المؤسسات المالية الدولية، غالباً ما تتصدر أرقام التمويلات المعبأة ومناصب الشغل المحدثة واجهة الخطاب التنموي، باعتبارها مؤشرات على نجاح البرامج والمشاريع. غير أن القراءة المتأنية في الوثائق المالية والرقابية قد تكشف وجهاً آخر للحصيلة، حيث لا تعكس الأرقام الإجمالية بالضرورة حجم الأثر الاقتصادي الفعلي أو مدى تحقيق الأهداف الأصلية.
وهذا تحديداً ما تثيره وثائق البنك الدولي بشأن برنامج «InnovInvest» بالمغرب؛ فبينما أعلنت المؤسسة الدولية تعبئة أكثر من 70 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة وإحداث أزيد من 4000 منصب شغل، تكشف تقاريرها السابقة عن رصيد بلغ 15.35 مليون دولار كان ينتظر استكمال التوثيق المالي في دجنبر 2024، وتأخر في بلوغ أهداف تمويل المقاولات، وتعديل بعض شروط تنفيذ المشروع.
وبين خطاب الاحتفاء بالإنجاز وما تسجله وثائق التتبع، يبرز سؤال يتجاوز الأرقام المعلنة: هل نجح البرنامج في بناء منظومة استثمارية مستدامة لفائدة المقاولات الناشئة، أم أن مؤشرات تعبئة الأموال وإحداث الوظائف ما زالت تحتاج إلى تقييم نهائي يثبت حجم أثرها الحقيقي على الاقتصاد المغربي؟
وكان البنك الدولي قد نشر، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، تقريراً بعنوان «كيف نجح المغرب في تعبئة رؤوس الأموال الخاصة لتمويل المقاولات الناشئة»، عرض فيه حصيلة البرنامج باعتبارها تجربة ناجحة في تطوير الاستثمار في الشركات المبتكرة.
وأعلن إحداث أربعة صناديق لرأسمال المخاطر، واعتماد 16 حاضنة ومسرعة، ودعم نحو ألف رائد أعمال، إلى جانب استفادة المقاولات التي تقودها نساء من 27 في المائة من التمويلات.
لكن وثائق إعادة الهيكلة والتتبع التي أصدرها البنك نفسه خلال السنوات السابقة ترصد صعوبات مالية وتنفيذية لم تظهر بالتفصيل في تقرير الحصيلة الجديد، وتطرح أسئلة بشأن وصول الأموال إلى المقاولات المستهدفة ومدى استمرار الوظائف المعلنة بعد انتهاء الدعم.
وتتعلق هذه الوثائق بمشروع مسجل تحت المرجع «P150928»، استفاد من قرض دولي بقيمة 50 مليون دولار، أي نحو 48.4 مليار سنتيم مغربي وفق سعر الصرف بتاريخ 13 أكتوبر 2026.
والقرض ممنوح للمملكة المغربية، التي تتحمل التزامات سداده وفق اتفاقية التمويل، فيما تتولى مؤسسة «تمويلكم» تنفيذ المشروع بشراكة مع وزارة الاقتصاد والمالية.
وفي وثيقة إعادة الهيكلة الصادرة في دجنبر 2024، سجل البنك الدولي أن أداء التدبير المالي للمشروع لم يتجاوز تصنيف «مرضٍ إلى حد ما» (Moderately Satisfactory)، فيما صُنفت مخاطره المالية في المستوى «الجوهري» (Substantial)، بسبب تعقيد العمليات وتعدد الشركاء الوسطاء والصعوبات المرتبطة بإعداد التقارير والقوائم المالية.
وأشارت الوثيقة إلى تأخر في إعداد التقارير المالية وتقديم تقارير التدقيق داخل الآجال المطلوبة، كما كشفت أن عمليات التدقيق لم تشمل مراجعة حسابات الشركاء الوسطاء وفق النطاق المحدد في الشروط المرجعية، وهي ملاحظة سبق أن أثارها البنك بشأن حسابات سنة 2023.
وأوضحت، في المقابل، أنه لم تكن هناك تقارير تدقيق مستحقة ومتأخرة عن التقديم عند الموافقة على إعادة الهيكلة.
أما المعطى المالي الأبرز، فتضمنته الصفحة الثالثة من الوثيقة، حيث سجل البنك وجود رصيد بقيمة 15,356,159.12 دولاراً في الحساب المخصص للمشروع، لم تكن إجراءات توثيقه المالي قد استكملت، إلى جانب مبلغ آخر قدره 3,755,657.44 دولاراً لم يكن قد سُحب من القرض.
ولا تعني هذه الأرقام اختفاء الأموال أو ثبوت اختلاسها؛ فالمبلغ الأول يتعلق برصيد كان ينتظر استكمال المستندات المطلوبة، بينما يمثل الثاني جزءاً لم يكن قد سُحب بعد من القرض.
لكن الوثيقة تثير سؤالاً بشأن مآل التسوية المالية، خاصة أن البنك أعلن تشكيل فريق مشترك من وزارة الاقتصاد والمالية والجهة المنفذة لتسريع تقديم الوثائق وطلبات السحب.
ولم يتضمن تقرير أكتوبر 2026 تفصيلاً لنتائج هذه العملية أو ما إذا كانت جميع الملاحظات المتعلقة بالتوثيق والتدقيق قد أُغلقت نهائياً.
وتكشف مقارنة البيانات المالية عن معطى آخر؛ فقد بلغ إجمالي السحب من القرض 46.24 مليون دولار، أي 92.5 في المائة، إلى غاية 12 نونبر 2024، بينما أعادت وثيقة صادرة في يوليوز 2025 تسجيل المبلغ والنسبة نفسيهما، استناداً إلى وضعية 21 أبريل 2025.
ويعني ذلك أن إجمالي السحب لم يسجل زيادة بين التاريخين المرجعيين، وفق المعطيات المنشورة، رغم تمديد أجل المشروع.
ولا يثبت هذا التطابق توقف الاستثمارات، لكنه يستدعي توضيح أسباب عدم تقدم السحب خلال تلك الفترة ومآل التمويل المتبقي.
وفي ما يتعلق بتمويل المقاولات، تظهر وثيقة دجنبر 2024 أن البرنامج واجه صعوبات في تحقيق هدف تمويل 60 مقاولة عبر المساهمة في رأسمالها، بعدما أشار العرض التنفيذي إلى استفادة 30 مقاولة ناشئة فقط.
وأرجع البنك التأخر إلى طول إجراءات تأسيس صناديق الاستثمار والحصول على الموافقات التنظيمية، وعدم توافق مدة المشروع مع دورة استثمارات رأسمال المخاطر، التي قد تمتد إلى عشر سنوات، فضلاً عن تداعيات جائحة كورونا ومحدودية نضج سوق المستثمرين الأفراد بالمغرب.
غير أن تقرير تتبع التنفيذ الصادر في 19 مارس 2025 سجل، في جداول المؤشرات، استفادة 39 مقاولة من التمويل الرأسمالي إلى غاية نهاية دجنبر 2024، مقابل الهدف المحدد في 60 مقاولة، أي بنسبة إنجاز بلغت 65 في المائة.
واللافت أن الجدول أورد العدد نفسه، 39 مقاولة، عند نهاية دجنبر 2023 ونهاية دجنبر 2024، دون تغير في القيمة المنشورة للمؤشر خلال التاريخين المرجعيين.
ولا يثبت اختلاف رقم 30 مقاولة في العرض التنفيذي عن 39 في جدول النتائج وجود تناقض محاسبي، إذ قد يرتبط بتعريف الفئات المستفيدة أو تواريخ تحديث البيانات.
لكن الفارق يستدعي توضيحاً، خصوصاً أن وثيقة إضافية صدرت في يوليوز 2025 احتفظت بقيمة 39 مقاولة، استناداً إلى بيانات نهاية 2024، ومددت الفترة المرجعية لتحقيق الهدف إلى 30 نونبر 2025.
وبذلك، كان البرنامج يبتعد عن هدفه بـ21 مقاولة عند نهاية 2024، دون أن تسمح هذه البيانات بالجزم بأن الفارق استمر حتى الإغلاق النهائي.
ولم تقتصر معالجة التأخر على تمديد الآجال، إذ شملت إعادة الهيكلة تعديلاً في شروط أهلية النفقات، بإضافة صناديق الاستثمار نفسها إلى الجهات المؤهلة لتلقي التمويل ضمن المشروع.
وسمح هذا التغيير بالاعتداد بتحويل الأموال إلى صناديق الاستثمار ضمن النفقات المؤهلة، حتى عندما لا تكون جميع المبالغ قد وصلت بعد إلى المقاولات النهائية.
وهو تعديل برره البنك بطبيعة استثمارات رأسمال المخاطر، التي تُنفذ على مراحل وتتطلب فترات أطول من مدة المشروع.
غير أن الفرق بين تحويل المال إلى صندوق استثماري وضخه فعلياً في رأسمال مقاولة يظل أساسياً عند قياس الأثر الاقتصادي.
فبلوغ التمويل مرحلة الوساطة المالية لا يعني تلقائياً وصوله إلى الشركات المستهدفة، ولا يوضح بمفرده عدد المقاولات التي استفادت منه أو النتائج التي حققتها.
وفي المقابل، تشير وثائق البنك إلى وجود اتفاقيات اكتتاب ملزمة، ورقابة من الهيئة المغربية لسوق الرساميل، وقواعد للحكامة وتدبير المخاطر، إلى جانب أمناء حفظ مستقلين للأصول.
وهي ضمانات تنظيمية لا تغني عن نشر الحصيلة الفعلية للاستثمارات التي وصلت إلى المقاولات.
وكانت وثيقة دجنبر 2024 قد توقعت بقاء نحو 5.8 ملايين دولار من التمويلات الملتزم بها في الحساب المخصص للمشروع، دون تحويلها إلى صناديق الاستثمار عند موعد الإغلاق الأصلي.
وشكل ذلك أحد مبررات تمديد أجل المشروع من 31 دجنبر 2024 إلى 30 نونبر 2025.
وتضمنت إعادة الهيكلة أيضاً تعديلاً في توزيع اعتمادات القرض، حيث خُفضت مخصصات فئة التمويلات الفرعية ورسوم التدبير المرتبطة بمكون التمويل من 36.2 مليون دولار إلى 35.2 مليون دولار، مقابل رفع مخصصات فئة تشمل الخدمات الاستشارية والسلع والخدمات غير الاستشارية وتكاليف التشغيل من 1.875 مليون دولار إلى 2.875 مليون دولار.
وبذلك، أُعيد تخصيص مليون دولار بين فئات نفقات القرض، وهو تعديل في الاعتمادات المرصودة وليس دليلاً على صرف المبلغ بالكامل.
وأوضحت وثيقة إعادة الهيكلة أن الزيادة المرتبطة بتدبير المشروع والتنسيق والتتبع والتقييم تهدف، ضمن أمور أخرى، إلى تغطية نفقات التدبير خلال سنة 2025، وتطوير النظام المعلوماتي، والترويج لأنشطة البرنامج.
كما انخفضت مخصصات تمويل المستثمرين الأفراد والتمويل الأولي من 7 ملايين دولار إلى 3 ملايين دولار، مقابل رفع مخصصات صناديق رأسمال المخاطر والتسريع من 29.2 مليون دولار إلى 32.2 مليون دولار.
وتطرح إعادة التوزيع هذه سؤالاً حول أولويات الإنفاق وكلفة تدبير البرنامج، خاصة في ظل التأخر المسجل آنذاك في بلوغ هدف تمويل المقاولات عبر المساهمة في رأسمالها.
أما مؤشر التشغيل، فيكشف عن اختلاف كبير بين الحصائل المنشورة.
فقد سجل البنك الدولي 1204 مناصب شغل ضمن نتائج المشروع في وثيقة دجنبر 2024، وهو الرقم الذي أعادت تقارير مارس ويوليوز 2025 إدراجه، قبل أن ترتفع الحصيلة المعلنة في 12 أكتوبر 2026 إلى أكثر من 4000 منصب شغل مباشر.
وهذه الزيادة، التي تتجاوز ثلاثة أضعاف الرقم السابق، لا تشكل دليلاً على تضخيم النتائج، بالنظر إلى اختلاف تواريخ القياس وإمكانية توسع أنشطة المقاولات خلال الفترة اللاحقة.
لكنها تستدعي تفسيراً لطريقة احتساب الوظائف الجديدة، وعدد المقاولات التي أحدثتها، والفترة التي تغطيها الإحصاءات.
فهل يتعلق الأمر بصافي مناصب الشغل الجديدة أم بمجموع الوظائف المحدثة خلال سنوات البرنامج؟ وما نسبة الوظائف التي ظلت قائمة بعد انتهاء الدعم؟ وكيف توزعت بين الجهات والقطاعات؟
ولا تقدم المادة المنشورة في أكتوبر 2026 جداول تفصيلية تجيب عن هذه الأسئلة، أو تسمح بربط رقم الوظائف المعلنة بمبالغ التمويل وعدد الشركات المستفيدة.
ويطرح تطور الاستثمارات الخاصة مسألة مماثلة؛ فقد انتقلت الحصيلة المعلنة من نحو 46 مليون دولار في وثائق سابقة إلى أكثر من 70 مليون دولار في أكتوبر 2026، مع دخول مؤسسات تمويل دولية، من بينها مؤسسة التمويل الدولية «IFC» و«Proparco»، إلى صناديق استثمار بالمغرب.
وتُظهر هذه الزيادة تطوراً في تعبئة رؤوس الأموال، لكنها لا تكشف بمفردها القيمة الإجمالية التي استُثمرت مباشرة في المقاولات، أو عدد الشركات التي تمكنت من النمو والاستمرار بعد الحصول على الدعم.
ولذلك، فإن تقييم البرنامج يتطلب التمييز بين الأموال المعبأة، والمبالغ المسحوبة من القرض، والتمويلات المحولة إلى الصناديق، والاستثمارات التي وصلت فعلياً إلى المقاولات. وهي مراحل مالية مختلفة، لا يجوز التعامل معها باعتبارها نتيجة اقتصادية واحدة.
ولا يمكن، في المقابل، إغفال أن البنك الدولي حافظ على تقييم عام «مرضٍ» لتقدم المشروع نحو تحقيق أهدافه، وسجل تجاوز بعض المؤشرات لمستوياتها المستهدفة، خصوصاً في تعبئة رؤوس الأموال ودعم رواد الأعمال.
كما أقر باستمرار تحديات مرتبطة بالإطار القانوني للمقاولات الناشئة والامتداد الجهوي لمنظومة الاستثمار.
وتبرز أهمية هذه المعطيات مع انتقال المغرب إلى برامج جديدة لتمويل المقاولات والابتكار، واستمرار تدخل مؤسسات عمومية من بينها «تمويلكم» وصندوق الإيداع والتدبير وصندوق محمد السادس للاستثمار.
ويبقى أمام وزارة الاقتصاد والمالية ومؤسسة «تمويلكم» والبنك الدولي تقديم توضيحات موثقة بشأن مآل رصيد 15.35 مليون دولار الذي كان ينتظر التوثيق المالي في دجنبر 2024، ونتائج تدقيق حسابات الشركاء الوسطاء، والعدد النهائي للمقاولات التي استفادت من التمويل الرأسمالي، فضلاً عن منهجية احتساب أكثر من 4000 منصب شغل.
كما أن إتاحة تقرير الإنجاز والنتائج النهائي للمشروع، أو توضيح وضعيته إذا لم يكن قد نُشر، من شأنه أن يسمح بمقارنة الأهداف الأصلية بالنتائج المحققة، وتحديد الوضعية المالية للقرض عند الإغلاق.
فبين تسويق الإنجاز وواقع الأثر، لا يكفي الإعلان عن ملايين الدولارات وآلاف الوظائف للحكم على نجاح برنامج ممول بالاقتراض.
المعيار الحاسم هو ما وصل فعلياً إلى المقاولات، وما تحقق من استثمارات ووظائف مستدامة، وما تستطيع المؤسسات إثباته بوثائق نهائية قابلة للتحقق والمساءلة.
