When Capital Sits on the Seat of Power… the “Leader” Becomes the Second Richest Man in Morocco While the “Social State” Remains a Decorative Promise
لم يكن تقرير Forbes الأخير مجرد نشر لثروة شخصية ضمن ترتيب عالمي، بل كان بمثابة إشعار دولي يسلّط الضوء على مفارقة اقتصادية وسياسية يعيشها المغرب منذ سنوات: مفارقة يتداخل فيها القرار العمومي مع رأس المال الخاص داخل قطاع يعدّ شريان الاقتصاد الوطني.
تقرير واحد فقط كان كافياً ليعيد طرح الأسئلة المؤجلة حول طبيعة السوق، وحجم النفوذ، وحدود “الدولة الاجتماعية” التي تتحدث عنها الحكومة.
فحين تكشف Forbes أن ثروة رئيس الحكومة عزيز أخنوش تقدّر بـ 1.6 مليار دولار، لا يعود السؤال: “هل هو ثري؟”
بل: “ماذا يعني أن يكون رئيس السلطة التنفيذية من أكبر الفاعلين في قطاع حيوي يحدد يومياً مستوى الأسعار في البلد؟”
هذا الرقم ليس رأياً، بل تقييم مستقل صادر عن مؤسسة مالية دولية لا علاقة لها بالصراعات الداخلية.
وهنا تكمن الخطورة: لأنه يعرض صورة بنيوية تظهر مدى تداخل السلطة الاقتصادية مع القرار الحكومي في قطاع حساس كقطاع الطاقة، حيث لا يمكن الحديث عن منافسة حقيقية حين يجتمع الفاعل الأكبر مع المنظّم الأكبر.
مجموعة Akwa، التي تُعتبر محور هذا النقاش، ليست شبكة تقليدية لتوزيع المحروقات فقط، بل منظومة اقتصادية مترابطة تحتكر مفاصل حيوية: توزيع الغاز، التخزين، المواد الكيماوية، النقل، الخدمات، وحتى الإعلام. شركات مثل Afriquia Gaz وMaghreb Oxygène ليست وحدات تجارية؛ إنها عصب يتحكم في حركة اقتصاد بلد بأكمله.
حين تُعرض ثروة 1.6 مليار دولار في تقرير دولي، فإنها لا تعكس مجرد أرقام، بل خريطة قوة تتحكم في أسعار البنزين والغاز وفاتورة النقل، وبالتالي تتحكم في أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية.
وهذه نقطة حساسة: لأن اقتصاد المغرب قائم أساساً على تكلفة النقل، التي ترتفع وتنخفض بصعود أو نزول أسعار الطاقة.
وفي اللحظة التي يكون فيها الشخص الذي يملك أكبر مجموعة للطاقة هو نفسه من يوقّع القرارات الحكومية، يصبح السؤال مشروعاً:
كيف يمكن فصل المصلحة العامة عن مصالح السوق؟
ارتفاع الأسعار في المغرب خلال السنوات الأخيرة لم يكن مفاجئاً للمواطن، لكنه أصبح أوضح بعد تقارير مستقلة تكشف أن جزءاً أساسياً من التضخم مرتبط بقطاع الطاقة.
ومع كل زيادة في أسعار النفط عالمياً، يزداد العبء على الأسر المغربية، بينما تشير البيانات الدولية إلى استقرار أو صعود ثروات كبار الفاعلين في القطاع.
هذا التناقض يعمّق أزمة الثقة في الخطاب الرسمي.
كيف يمكن لحكومة تقول إنها تبني “الدولة الاجتماعية” بينما يتحرك السوق بمنطق شبه احتكاري؟ وكيف يمكن للمواطن أن يصدّق أن الأسعار مراقبة وأن الدعم موجّه حين يرى أن cost of living ترتفع بينما ثروة الفاعل الأكبر في القطاع ثابتة أو متصاعدة؟
المعادلة هنا ليست اقتصادية فقط؛ إنها سياسية بامتياز.
فحين يجتمع رأس المال مع كرسي القرار، تتحول السوق إلى دائرة مغلقة يصبح فيها التنظيم، والمراقبة، والتسعير، وحتى الصفقات الاستراتيجية جزءاً من شبكة واحدة يصعب الفصل بينها.
وهذا ما جعل تقرير Forbes يتحول إلى حدث سياسي أكثر منه خبراً اقتصادياً.
لأنه لم يكشف فقط عن ثروة، بل كشف عن إشكالية بنيوية تتعلق بتركيبة السلطة الاقتصادية داخل المغرب.
إذا كانت الحكومات حول العالم تفصل بدقة بين السلطة التشريعية والفاعلين الكبار في السوق لحماية المنافسة، فالمغرب يجد نفسه أمام سؤال أكثر حساسية:
هل يمكن أن تتعايش “الدولة الاجتماعية” مع سوق تتحكم فيها جهة واحدة؟
التقرير فتح الباب لنقاش أوسع حول مستقبل نموذج التنمية في البلاد. وهو نقاش لا يهاجم أشخاصاً، بل يضع إصبعاً على واحدة من أكبر معضلات الاقتصاد الوطني:
تضارب المواقع بين من يقرر ومن يستفيد.
وفي الوقت الذي يطالب فيه المواطن بضبط الأسعار، وإعادة النظر في هوامش الربح داخل قطاع الطاقة، وبتقوية آليات المنافسة، يجد نفسه أمام واقع تقول فيه الأرقام إن اللاعب الأكبر في السوق هو نفسه من يحمل حقيبة القرار الحكومي.
ولذلك، فإن اللحظة التي خلقها تقرير Forbes ليست مجرد خبر عابر، بل فرصة لإعادة ترتيب الأسئلة الكبرى التي تحدد مستقبل بلد بأكمله:
من يتحكم في السوق؟
من يحدد الأسعار؟
من يستفيد من نمط التوزيع الحالي؟
ومن يدفع الفاتورة في النهاية؟
هذه الأسئلة ليست حزبية ولا ظرفية، إنها أسئلة دولة، واقتصاد، ومجتمع، ومستقبل.
وإذا أراد المغرب فعلاً أن يبني “الدولة الاجتماعية”، فلا يمكن ترك قطاع الطاقة الذي يشعل كل الأسعار في وضعية تضارب هيكلي بين السلطة العمومية والمصالح الخاصة.
