لقاء ابن كيران بوجدة تحوّل إلى لحظة سياسية مفتوحة على الماضي والراهن معاً، بعدما قرّر أن يستدعي إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل دون أن ينطق باسمها صراحة.
الإشارة كانت كافية: “ذاك العفريت ديال إييه… ذاك اللي كان جالس في واحد الفيلا وتيدوزّو عندو الوزراء ورؤساء المؤسسات”.
عبارة واحدة أعادت إلى الذاكرة مرحلة كاملة كان فيها إلياس العماري عنواناً لنفوذ يتحرك خارج الإطار التقليدي للمؤسسات.
استحضار تلك المرحلة لم يكن عملاً استعراضياً، بل محاولة لإعادة تعريف اللحظة السياسية الحالية. ابن كيران قدّم مشروع الأصالة والمعاصرة كنموذج للسلطة حين تتجاوز المشروعية المؤسساتية، مؤكداً أنّ ذلك المشروع كان متجهاً نحو “أكل الأخضر واليابس” لولا ما سماه “لطف الله”. وهي جملة تحمل تقديراً واضحاً لخطورة ما كان يمكن أن يحدث لو استمر ذلك المسار بلا مقاومة سياسية أو مؤسساتية.
وضعُ العماري في قلب الخطاب لم يكن موجهاً لشخصه بقدر ما كان موجهاً للنموذج الذي مثّله. فابن كيران يرى أنّ السياسة تُصاب بالخلل حين يتحول الفاعل غير المنتخب إلى محور القرار، وحين تصبح “الفيلا” مركزاً موازياً للمؤسسات الرسمية.
وما اعتُبر خلال تلك المرحلة شذوذاً سياسياً، يراه اليوم تكراراً محتملاً في ظل تداخل المال والنفوذ داخل المجال العام.
النبرة نفسها عادت حين تحدث عن حاضر السياسة. الإحالات التي استعملها لم تكن عبثية؛ فقد أراد عبرها القول إن المشهد الحالي يحمل ظلالاً من مرحلة العماري، ولو بأسماء وبُنى جديدة. الرسالة الضمنية كانت واضحة: الخطر لا يكمن في الأشخاص، بل في إعادة إنتاج السياق الذي يسمح بولادة “عفاريت” سياسية تتحرك خارج منطق الشرعية الانتخابية.
حجم الجرأة في حديثه يكشف عن قناعة راسخة لديه بأن السياسة المغربية تواجه اليوم مفترقاً حساساً، وأن ضعف الوساطة السياسية وازدياد تأثير المصالح الخاصة يعيدان رسم السؤال القديم نفسه: من يملك القرار الحقيقي؟ ومن يصنع الزمن السياسي للبلاد؟
خطاب ابن كيران في هذا المقطع تحديداً لم يكن تصفية حسابات مع الماضي، بل تشخيصاً لما يعتبره خللاً بنيوياً يتكرر عبر الزمن.
الرسالة المركزية واضحة: البلاد تحتاج إلى مؤسسات قوية، لا إلى ظلال قوية؛ وإلى سياسة تُمارس داخل المؤسسات، لا في هوامشها.
وكلما لُوّح بعودة “العفريت”، فالمقصود ليس الشخص بل الإشارة: السياسة حين تُدار من خارج قواعدها، تنتهي خارج منطق الاستقرار.
