وضع المنسّق الوطني لتنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية العلمي الحروني، في مداخلة مطوّلة خلال لقاء، ملف الاعتقال السياسي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب ضمن سياقه التاريخي والسياسي العام، مؤكداً أن ما يُطرح اليوم لا يخص فئة بعينها ولا مرحلة زمنية محددة، بقدر ما يعكس إشكالاً بنيوياً في علاقة الدولة بالمواطن.
وأوضح المتحدّث أن الشهادات التي قُدّمت، على اختلاف خلفيات أصحابها، لا تمثل سوى جزء من واقع أوسع طال معتقلين سابقين وحاليين، وامتد أثره إلى عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي، حيث تتحوّل المعاناة الفردية إلى عبء جماعي صامت، نادراً ما يجد طريقه إلى النقاش العمومي.
وشدّد المنسّق الوطني على أن الحديث عن “إرادة سياسية” في مجال حقوق الإنسان يظل، في نظره، توصيفاً غير دقيق لتجربة المغرب، معتبراً أن أي تقدّم تحقق في هذا المجال كان ثمرة ضغط سياسي واجتماعي متراكم، لا نتيجة قناعة ذاتية لدى السلطة.
واستحضر في هذا السياق محطات متعددة من تاريخ الاحتجاج الاجتماعي والسياسي، من انتفاضات 23 مارس، إلى أحداث إفني، مروراً بحراك الريف وجرادة، وصولاً إلى حراك 20 فبراير، حيث يتكرر المنطق نفسه: الاحتجاج يسبق الإصلاح، والضغط يفرض التنازل.
وأشار إلى أن الفئات الأكثر تضرراً من هذه السياسات كانت، في الغالب، الفئات الهشة والمهمشة، التي وُضعت في مواجهة مباشرة مع المقاربة الأمنية، في غياب حماية سياسية أو اجتماعية فعّالة، ما جعل كلفة الانتهاكات مضاعفة، اجتماعياً ونفسياً.
وفي حديثه عن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، اعتبر المتحدّث أنها شكّلت لحظة مفصلية في مسار الاعتراف الرسمي ببعض انتهاكات الماضي، غير أنها ظلّت تجربة غير مكتملة، بسبب غياب ضمانات حقيقية لعدم التكرار.
فسرعان ما عادت ممارسات الاعتقال والمحاكمات القاسية إلى الواجهة، خاصة بعد تفجيرات 2003، تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وفي سياق دولي طغت عليه الاعتبارات الأمنية على حساب المقاربة الحقوقية.
وأوضح المنسّق أن العدالة الانتقالية، وفق المرجعيات الدولية، تقوم على أربعة مرتكزات أساسية: الحق في الحقيقة، الحق في العدالة، الحق في التعويض، وضمانات عدم التكرار.
غير أن الإشكال في التجربة المغربية، حسب تحليله، يكمن في التعامل الانتقائي مع هذه المرتكزات، حيث يجري التركيز على المصالحة الرمزية، مقابل تغييب المساءلة الجدية والإصلاح المؤسساتي العميق.
وحذّر في هذا السياق من مسارين متناقضين يهددان أي نقاش جدي حول العدالة الانتقالية: طيّ صفحة الماضي دون حفظ الذاكرة الجماعية، أو الانزلاق نحو منطق الانتقائية وتصفية الحسابات، داعياً إلى مسار ثالث يقوم على عدالة رصينة، لا انتقامية ولا شكلية، تعترف بالانتهاكات وتحمّل المسؤوليات دون توظيف سياسي.
وأكد المتحدّث أن أي مصالحة وطنية حقيقية تظل رهينة باعتراف صريح بمعاناة الضحايا، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال سياسات عمومية تعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، وتؤسس لإصلاح مؤسساتي فعلي، خاصة على مستوى المنظومة الأمنية والسجنية والقضائية، باعتبارها الضامن الأساسي لعدم تكرار ما وقع.
وختم المنسّق الوطني مداخلته بالتأكيد على أن العدالة الانتقالية ليست استحضاراً مرضياً للماضي، بل مدخلاً ضرورياً لبناء مستقبل ديمقراطي قائم على الثقة والمساءلة، مشدداً على أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على النسيان، بل على الحقيقة والإنصاف.
