بقلم: كريمي مصطفى المنسق العام للتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين
بسم الله الرحمن الرحيم
تحية تقديرية، وبعد…
في هذه الذكرى التي يقف فيها العالم للاحتفال بما يسميه اليوم العالمي لحقوق الإنسان، نقف نحن هنا أمام صفحة مختلفة تمامًا، صفحة لا تعرف الاحتفال ولا تعرف الشعارات اللامعة، ولا التصفيق لأنها صفحة تروي قصة فئة من أبناء هذا الوطن ما زالت تنتظر أن يُسمع صوتها، وما زال جرحها مفتوحًا، وما زالت العدالة غائبة عن مصيرها.
تلك الفئة هي المعتقلون الإسلاميون، سابقهم وحاضرهم، الذين لم يجدوا من حقوق الإنسان سوى العنوان، ولم يجدوا من الإنصاف سوى الكلام، ولم يجدوا من الاهتمام سوى التجاهل والتأجيل.
إن التنسيقية المغربية لقدامى المعتقلين الإسلاميين لم تتولد من فراغ، بل وُلدت من ألم ثقيل، ومن مسار مرير عاشته مئات من المواطنين؛ اعتُقلوا في ظروف معقدة، ومرّوا بمحاكمات مركّبة، واتُّهموا وأُدينوا بشكل لم يحترم أبسط مقومات العدالة، عاشوا التعذيب الجسدي والنفسي، وحُرموا من حقوقهم الأساسية، وعندما غادروا الزنازين وجدوا أنفسهم في مواجهة مجتمع متوجس، ومؤسسات مغلقة، وفرص انهارت أمامهم قبل أن تبدأ.
جاءت التنسيقية كجدار يحتضن به هؤلاء، وكمساحة تجمع شتاتهم، وكحلم جبر ضرر حقيقي يُعيد اعتبارهم الإنساني والاجتماعي.
فهي لم تكن تجمعًا يصرخ من أجل الغضب، بل كانت إطارًا يسعى لرفع الظلم، وتوثيق التجاوزات، وطرق أبواب المؤسسات بخطاب مسؤول وهادئ، ومبني على الملفات الموثقة.
وظلت التنسيقية على هذا النهج رغم العقبات، لأنها تؤمن بأن الإنسان لا تُردّ إليه كرامته بالصراخ، بل بالصبر والمرافعة والمثابرة والحق.
إن مسار هذا الملف لم يكن يومًا سهلًا، ولا مزهرًا بالوعود، بل كان طريقًا طويلًا من الألم والصبر والخذلان. فمنذ سنوات والتنسيقية تحاول أن تضع هذا الملف في مكانه الطبيعي: ملف ظلم وقع على مواطنين، لا ملف تصنيفات ولا قراءات أمنية ضيقة.
وكان هدف التنسيقية دائمًا هو أن يصل صوت الضحايا إلى المؤسسات والهيئات الحقوقية بكل صدق ووضوح، بعيدًا عن أي توظيف أو تسييس أو مزايدات صغيرة لا تخدم الحقيقة ولا تنصف المظلومين.
لقد واكبت التنسيقية — عبر مراحل متعددة — محطات الحوار، ومحاولات البناء، وملفات التوثيق، وتقديم الشهادات، والصراعات اليومية مع التجاهل والصمت.
واستمرت رغم محدودية الإمكانات، ورغم أن بعض المؤسسات حاولت التعامل معها كملف اجتماعي بسيط، متناسية حجم الانتهاكات التي رافقت الاعتقال والتعذيب والمحاكمات الماراثونية، وعمق الآثار النفسية والاجتماعية التي لا تزال تلازم الضحايا إلى اليوم.
وإذا كان الحديث عن أبرز الاختلالات الحقوقية المرتبطة بملف المعتقلين الإسلاميين السابقين طويلًا ومتشعبًا، فإن الثابت فيه هو أن الملف ظل مؤطرًا أمنيًا بشكل يفرغه الحلول من مضمونها، ويجعل المقاربة الحقوقية شكلية لا أثر لها على أرض الواقع.
ورغم كل ذلك، فإن مطلب الضحايا لم يكن يومًا خارج إطار البلاد، ولم يكن سوى إنصاف، وعدالة، وجبر ضرر. هذا الحق الذي لا ينتقص من الدولة ولا يسيء إليها، بل يعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها، ويمحو آثار سنوات من القهر والتألم والوصم الاجتماعي.
لكن حين نعود إلى تفاصيل هذا الملف، فإننا نقف على اختلالات عميقة يجب أن تُقال كما هي، دون تجميل ولا خوف؛ لأن الجرح لا يلتئم بالسكوت، ولا تلتئم المظالم بالمداورة.
لقد اعتُقل الكثير من هؤلاء في ظروف غامضة، ودون ضمانات حقيقية للمحاكمة العادلة، وكانوا ينتقلون من جلسة إلى أخرى وهم يعلمون أن الحكم جاهز قبل أن تبدأ المرافعات.
وجاءت شهادات كثيرة توثق تعذيبًا قاسيًا تعرض له بعضهم من تعليق وضرب وصعق وإهانة، وحرمان من النوم، ومن الزيارة، ومن العلاج… وهي وقائع تركت آثارًا تمتد إلى اليوم؛ آثارًا لا تُرى بالعين، ولكنها تعيش في الذاكرة، وفي الجسد، وفي الخوف الصامت.
داخل السجون عاش كثير منهم في عزلة خانقة، وفي زنازين ضيقة، وحُرموا من حقوق بسيطة كالتكوين والعلاج والتواصل. ولم يكن الأمر عقوبة قانونية، بل عقوبة ممتدة تُضرب الإنسان في جوهره، وتُلقيه سنوات عمره بصمت لا يسمعه أحد.
وما زال المعتقلون الإسلاميون — إلى الآن — داخل السجون يعيشون أوضاعًا لم تتغير كثيرًا؛ يعيشون التضييق في التنقل، والعقاب الجماعي، والحرمان من الزيارة والبرامج، وكأنهم ملف محكوم بقرارات غير مرئية تتحكم في مصيرهم وتمنع وصول صوتهم.
ثم خرج بعضهم من السجن ليجدوا سجنًا آخر ينتظرهم؛ سجنًا بلا قضبان، لكنه أشد قسوة: سجن النظرة المجتمعية، والتهميش الإداري، وغياب الفرص، ومنع الإدماج، ومنع الحق في استعادة حياة طبيعية.
عادوا إلى مجتمع لم يُهيَّأ لاستقبالهم، ولا إلى دولة مدّت يدها لجبر الضرر، فظلوا عالقين بين ماضٍ لم يُنصف، وحاضرٍ يضيّق، ومستقبلٍ معلق.
ليكتشفوا أنهم غير مرئيين، وأن كل باب يُفتح لغيرهم ويُغلق في وجوههم، وأن الماضي يُلاحقهم كظل ثقيل لا يريد أن يرحل.
ومع كل هذا، كان المنتظر أن يكون المجلس الوطني لحقوق الإنسان سندًا لهم، وحاملًا لمعاناتهم. لكن ما حدث كان صدمة كبيرة؛ لأن المجلس — بدل أن يتعامل مع هذا الملف كقضية ظلم واعتقال وتعذيب وجراح مفتوحة — اختار أن يُحيله على مؤسسة اجتماعية، وكان القضية مجرد طلب تشغيل أو بحث عن مساعدة! وكأن سنوات الاعتقال وما رافقها من انتهاكات أصبحت مجرد ورقة إدارية يمكن تحويلها من مكتب إلى آخر دون مسؤولية ولا اعتراف.
وقد شعر الضحايا بأن المجلس — الذي كان يُفترض أن يكون صوتهم — قد تخلى عنهم، واختار الطريق الأسهل بدل الطريق العادل، فزاد ذلك الجرح عمقًا، وأضاف إلى الألم ألمًا اسمه: التجاهل.
وزاد الجرح اتساعًا أن بعض المنابر الإعلامية لم تنقل الحقيقة، بل شيطنت الملف، وقدمت المعتقلين الإسلاميين على أنهم “أنفَغ” و”خطر” وتهديد، وصنعت حولهم صورة مشوهة، لا علاقة لها بالواقع.
ولم تكلّف نفسها عناء الاستماع لمعاناتهم، أو تفكيك حقيقة ما تعرضوا له، بل ساهمت في خلق رأي عام متوجس، يرفض الإنصات قبل أن يفهم القضية، ويفضّل رفع الظلم بدل أن يكشفه، وزاد التمييز بدل أن تعالجه؛ حتى صار الضحايا يقاتلون من أجل “حق أساسي واحد”: أن يسمعهم أحد بإنصاف.
واليوم نضيف سؤالًا آخر موجعًا: لماذا هذا التناقض الصارخ، والازدواجية القاتلة؟ عندما تصعد النخب السياسية إلى قبة البرلمان، تتحدث عن جميع المعتقلين السياسيين بكل قوة وحرارة، لكنها لا تذكر المعتقلين الإسلاميين! لماذا الصمت الانتقائي؟ ولماذا هذا الحذف المتعمد من قائمة الضحايا؟ هل توجد في دفاترهم الحقوقية مادة تبيح هذا التمييز؟ وهل تُصنَّف الكرامة حسب العناوين والانتماءات؟ أم أن العدالة صارت تُمنح للبعض، وتُسحب من البعض؟
ولماذا المنظمات الحقوقية والجمعيات تخرج للشارع، وتندد بالانتهاكات، وتصدر البيانات… ثم تقف صامتة أمام ملف المعتقلين الإسلاميين؟ هل هو غياب المعلومة؟ أم انتقائية للمظلومية؟ أم خوف من الاقتراب من ملف مؤطر أمنيًا بحزم يمنع الاقتراب منه؟ لماذا يتحول الضحية هنا إلى منطقة صمت لا يجرؤ كثيرون على دخولها؟
إن هذا الصمت المؤلم علامة على خلل عميق في فهم العدالة، وعلى تمييز غير معلن يُمارس ضد فئة كاملة من أبناء الوطن؛ تمييز لا يستقيم مع أي قيمة إنسانية، ولا مع أي مبدأ يُنصف.
واليوم — ونحن في هذا اليوم العالمي لحقوق الإنسان — نجد أنفسنا أمام سؤال حارق: ماذا يفيد الاحتفال العالمي إن كان المعتقلون الإسلاميون خارج دائرة الإنصاف؟ ماذا يعني رفع الشعارات إن بقيت جراحهم بلا علاج؟ ماذا يعني الحديث عن الكرامة، وهناك رجال خلف القضبان يعيشون معاناة يومية، وآخرون خارجها محرومون من أبسط حقوقهم؟
إن العدالة الغائبة يجب أن تعود؛ لأن غيابها يعني استمرار الألم، واستمرار الظلم، واستمرار النزيف. إن جبر الضرر ليس تعويضًا ماليًا فقط، بل هو اعتراف رسمي وشجاع، وردّ اعتبار معنوي واجتماعي، وإعادة إدماج حقيقية، ومعالجة آثار التعذيب، وتوثيق الذاكرة حتى لا يتكرر ما حدث.
وإننا نوجّه نداءً صادقًا إلى المنظمات الحقوقية، والجمعيات المدنية، والأحزاب السياسية: نداءً يحمل وجع سنوات، وصوت ضحايا لم يجدوا من يسمعهم.
فهذا ليس ملف فئة تبحث عن منفعه، بل ملف مواطنين تعرّضوا للظلم، ويريدون الإنصاف. ملف وطن خرج في إحدى صفحاته ويريد أن يُطوى، ملف كرامة لا ينبغي أن يبقى في الهامش.
إن اليوم العالمي لحقوق الإنسان يجب أن يكون يوم صدق ومراجعة، وسؤال كبير: ماذا فعلنا من أجل ضحايانا؟ وماذا قدمنا لمن عاشوا الظلم في صمت؟ ومتى نعيد العدالة إلى مكانها الطبيعي؟
وحين نجيب بصدق، نكون قد بدأنا الطريق الصحيح: طريق إنصاف كل ضحية، دون تمييز، ودون انتقاء، ودون خوف.
وفي خضم هذا المسار الطويل، جاءت الخطوة الجديدة التي تستحق التوقف عندها؛ إذ حفزت تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية أولى خطواتها العملية، من أجل الدفع في اتجاه جبر ضرر المعتقلين الإسلاميين وغيرهم.
وقد كان ذلك واضحًا في الندوة الأخيرة المنعقدة بالرباط، بقاعة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، تحت عنوان: شهادات المعتقلين الإسلاميين حول التعذيب. كانت تلك الندوة رسالة واضحة بأن مرحلة جديدة قد بدأت؛ مرحلة تعتمد على الشهادات الموثقة، والعمل الميداني، والتحرك الحقوقي الحقيقي.
وفي نهاية هذا المسار، لا بد أن نقف وقفة تقدير واحترام لكل الشجعان، أصحاب الضمير الحي، الذين أسسوا “تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية”، وعلى رأسهم الأستاذ العلمي الحروني؛ تلك الشخصية
التي لم تتاجر بآلام الضحايا، ولم تساوم على حقوقهم، بل حملت همّ هذا الملف بكل شجاعة ومسؤولية.
وقد أخذت هذه التنسيقية على عاتقها مهمة الدفاع عن جميع المعتقلين، سواء المفرج عنهم أو الذين ما زالوا خلف القضبان، دون أي تمييز أو فرز أو حسابات ضيقة، معتبرة الجميع ضحايا يحتاجون إلى الإنصاف وإعادة الاعتبار.
إن تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية ليست مجرد إطار جديد، بل هي ميلاد مسار وأفق تنتمي من الحقوقيين، والمعتقلين السياسيين، والمحامين الشرفاء، وجميع الغيورين على العدالة والكرامة الإنسانية، أن يلتحقوا به؛ حتى يتحول هذا الجهد إلى قوة جماعية، ومسار وطني صادق، يُعيد للضحايا حقوقهم، ويُعيد للملف مكانته، ويُعيد للوطن جزءًا من عدالته المفقودة.
