بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
قدم الدكتور محمد حقيقي مداخلة حقوقية رصينة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان سلط فيها الضوء على التناقض القائم بين التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان وواقع غياب العدالة والإنصاف في ملف المعتقلين الإسلاميين السابقينخصوصاً بعد أحداث 16 ماي 2003.
انطلق الدكتور من التأكيد على أن العدالة الانتقالية تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الضحية والانتهاك الجسيم وجبر الضرر. وبالرجوع إلى حالة المعتقلين الإسلاميين السابقين خلص إلى أنهم تعرضوا لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي والاعتقال التعسفي والمحاكمات غير العادلة في خرق صريح للمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.
واعتمادا على استبيان ميداني شمل أعضاء من التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين كشف الدكتور عن وضعية إنسانية واجتماعية مقلقة: 90٪ من الضحايا يعانون من أمراض مزمنة ناتجة عن التعذيب وسوء المعاملة و80٪ يعانون من البطالة و84٪ لا يتوفرون على سكن خاص رغم أن أغلبهم متزوجون ولهم أبناء. وهو ما يبرز أن معاناة الضحايا لم تنته بالإفراج عنهم بل استمرت بأشكال جديدة من الإقصاء والتهميش.
وأكد المتدخل أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يلزم الدول بجبر ضرر ضحايا الانتهاكات الجسيمة بغض النظر عن طبيعة التهم الموجهة إليهم مستحضرا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لسنة 2005 بشأن الحق في الانتصاف وجبر الضررإضافة إلى الممارسات الفضلى للجان الحقيقة في دول مثل الأرجنتين والشيلي. وبين أن جبر الضرر يشمل التعويض وإعادة التأهيل الصحي والإدماج الاجتماعي وضمانات عدم التكرار وعدم الإفلات من العقاب.
وفي نقده لتجربة العدالة الانتقالية بالمغرب اعتبر الدكتور أن هيئة الإنصاف والمصالحة عالجت ماضي الانتهاكات لكنها لم تمنع استمرار انتهاكات جديدة بعد 2003 مما أفرغ مبدأ ضمانات عدم التكرار من مضمونه وأبقى فئة من الضحايا خارج أي تسوية عادلة.
وفي ما يخص الحلول حمل الدكتور مسؤوليات واضحة لمختلف المؤسسات داعيا المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى الإقرار بالانتهاكات وجبر أضرار الضحايا والبرلمان إلى مراجعة قانون مكافحة الإرهاب والحكومة إلى تنفيذ القرارات والتوصيات الأممية ورصد ميزانية خاصة لجبر الضرر إضافة إلى مطالبة الأجهزة الأمنية بالكشف عن الحقيقة واحترام المعايير الدولية.
وختم الدكتور مداخلته بالتأكيد على أن إنصاف المعتقلين الإسلاميين السابقين ليس مطلبا فئويا بل مدخل أساسي لاستكمال مسار العدالة الانتقالية بالمغرب وترسيخ دولة الحق والقانون مجددا قناعته بأن العدالة قد تتأخر لكنها ستاتي حتما.
