When Party-Affiliated Newspapers Become a Burden on Public Funds
نشر الصحافي حسن المولوع على صفحته الشخصية قراءة نقدية أعادت فتح نقاش واسع حول منظومة دعم الصحافة بالمغرب، خاصة في ما يتعلق باستمرار استفادة عدد من الجرائد الحزبية من المال العام، رغم التراجع الواضح في حضورها وتأثيرها داخل الفضاء العمومي.
قراءة أعادت طرح سؤال جوهري بصيغة هادئة لكنها حاسمة: ما جدوى الدعم حين ينفصل عن الأثر، ويتحوّل إلى غاية في حد ذاته؟
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان حول كون دعم الصحافة سياسة عمومية أُحدثت لحماية التعددية، وضمان الحق في الخبر، ومواكبة مقاولات إعلامية تضطلع بأدوار ديمقراطية أساسية في الإخبار والتحليل والمساءلة.
غير أن التحولات العميقة التي عرفها الحقل الإعلامي، سواء على مستوى أنماط القراءة أو طبيعة الاستهلاك الرقمي أو شروط المنافسة، جعلت من الضروري إعادة طرح السؤال، ليس فقط حول كيفية تنزيل هذه السياسة، بل حول ما إذا كانت ما تزال تخدم الغايات التي أُحدثت من أجلها.
الإشكال، كما يطرحه حسن المولوع، لا يكمن في وجود صحافة حزبية في حد ذاته، باعتبارها جزءاً من التعددية السياسية والفكرية، وإنما في تحوّل جزء منها إلى منابر محدودة الحضور، ضعيفة التأثير، لا تواكب التحولات المهنية، ولا تستثمر في الجودة أو التجديد، ومع ذلك تستمر في الاستفادة من دعم عمومي قار.
هنا، ينتقل النقاش من مستوى الحق السياسي إلى مستوى أكثر حساسية، يتعلق بشرعية الاستفادة من المال العام.
فالاستفادة من الدعم، حين تصبح منفصلة عن أي التزام حقيقي بالانتشار أو التأثير أو الجودة، تتحول من آلية دعم إلى شكل من أشكال الريع المقنّع.
ريع لا يقوم على الامتياز القانوني، بل على الاستمرارية الإدارية، حيث يُكافأ الوجود الشكلي بدل الوظيفة الإعلامية، ويُموَّل الاستمرار بدل الأثر.
وفي هذه الحالة، لا يعود الدعم أداة لتقوية الإعلام، بل وسيلة لتأجيل فشل سياسي وتنظيمي لم تستطع بعض الأحزاب معالجته داخل بنياتها الداخلية.
الأخطر في هذا المسار أن المال العام، حين يُوجَّه إلى منابر لا تُقرأ ولا تؤثر، يفقد وظيفته كأداة لتحقيق الصالح العام، ويتحول إلى آلية لإعادة إنتاج اختلالات داخل الحقل الإعلامي نفسه.
إذ تجد مقاولات إعلامية مستقلة، تشتغل بمنطق مهني، وتراكم جمهوراً حقيقياً، نفسها في وضع هش، في مقابل منابر تستفيد من الدعم دون أن تخضع لمنطق السوق أو لمساءلة الأثر.
ولا ينعكس هذا الاختلال فقط على التوازنات الاقتصادية داخل القطاع، بل يمتد أثره إلى ثقة المواطن في الإعلام المدعوم وفي السياسات العمومية المرتبطة به.
فعندما يصبح الدعم، في المخيال العام، مرادفاً للتمويل بلا مقابل، تتضرر صورة الصحافة ككل، بما في ذلك المنابر الجادة التي تحاول الحفاظ على استقلاليتها ومهنيتها في سياق صعب. كما تفقد سياسة الدعم بعدها الإصلاحي، وتتحول إلى إجراء إداري يفتقد للمعنى والغاية.
وفي هذا السياق، لا يدعو هذا الطرح إلى إقصاء الصحافة الحزبية أو التضييق على حرية التعبير، بل إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المال العام والوظيفة الإعلامية.
دعم يُربط بمعايير واضحة وقابلة للقياس، لا بالانتماء التنظيمي أو التاريخ السياسي، ويُشترط فيه الحد الأدنى من الانتشار، وجودة المحتوى، واحترام أخلاقيات المهنة، والاستقلال التحريري، والإسهام الحقيقي في النقاش العمومي. فالدعم، في نهاية المطاف، ليس حقاً مكتسباً ولا صكّ إنقاذ دائماً، بل أداة من أدوات السياسة العمومية التي ينبغي أن تخضع للتقييم والمساءلة.
ويخلص هذا النقاش إلى أن إصلاح منظومة دعم الصحافة لم يعد ترفاً فكرياً ولا خياراً مؤجلاً، بل ضرورة ديمقراطية ومالية.
فالمال العام أمانة، واستمرار ضخّه في منابر بلا أثر لا يخدم التعددية ولا الديمقراطية، بقدر ما يكرّس الرداءة ويُضعف الإعلام.
والإعلام، إما أن يكون حيّاً، مستقلاً، ومؤثراً في وعي المجتمع ونقاشه العمومي، أو يتحول إلى عبء يفقد معه المجتمع والدولة معاً أحد أهم فضاءات التعبير والمساءلة.
