Baïtas Between Praising the Government’s Record and Ignoring the Question of Public Fund Beneficiaries
أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها مصطفى بايتاس، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال الجولة التواصلية الختامية للحزب بمدينة طنجة، نقاشًا سياسيًا يتجاوز حدود الإشادة الحزبية بالحكومة، ليفتح الباب أمام مساءلة أعمق لطبيعة الخطاب، وحدود الحصيلة، وسؤال تضارب المصالح الذي يطبع المرحلة.
قدّم بايتاس الحكومة بوصفها نموذجًا في “النفس الطويل” والتدبير الاستراتيجي، القادر على تعبئة “أموال كبيرة جدًا” لخدمة المقاولة وسوق الشغل وإنتاج الثروة، مع ربط هذا المسار بما سماه الانخراط في “ورش الدولة الاجتماعية” استجابة للتوجيهات الملكية.
غير أن هذا الخطاب، على تماسكه الظاهري، يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة، خصوصًا حين يُقاس على محكّ الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
أولى الملاحظات التي يثيرها هذا الخطاب تتعلق بطابعه الإنشائي. فالإشادة بالحكومة “في جميع القطاعات” لم تُرفَق بأرقام دقيقة، ولا بمؤشرات قابلة للقياس، ولا بمقارنات زمنية تسمح بتقييم التحسن أو التراجع.
وفي سياق يتسم بارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار هشاشة الشغل، واتساع الإحساس بالضغط الاجتماعي، يصبح الحديث عن “إنتاج الثروة” حديثًا ناقصًا إذا لم يُقرن بسؤال جوهري: من ينتج هذه الثروة؟ ومن يستفيد منها فعليًا؟
كما يستند الخطاب إلى استحضار متكرر للتوجيهات الملكية باعتبارها الإطار الناظم للاختيارات الحكومية، ومن حيث المبدأ، لا جدال في مركزية هذه التوجيهات داخل النظام الدستوري، غير أن تحويلها إلى درع سياسي دائم يطرح إشكالًا آخر يتعلق بمسؤولية الحكومة نفسها.
فالتجربة الديمقراطية لا تُقاس بمدى القدرة على الإحالة الرمزية إلى المرجعية العليا، بل بقدرة السلطة التنفيذية على تحمّل نتائج اختياراتها السياسية والاقتصادية أمام المواطنين.
في قلب هذا النقاش، يبرز ملف تضارب المصالح باعتباره الغائب الأكبر عن خطاب الإنجاز.
فخلال السنوات الأخيرة، تزايد الإحساس العمومي بأن القرار الاقتصادي لم يعد منفصلًا بما يكفي عن دوائر المال والاستثمار، وأن السياسات العمومية، خصوصًا في مجالات الدعم والصفقات والتحفيزات، أفادت فئات محدودة ظلت في منأى عن كلفة الأزمات المتتالية.
هذا الإحساس، الذي يُختزل في الوعي الشعبي بمفهوم “الفراقشية”، لا ينبع فقط من خطاب معارض أو مزايدات سياسية، بل من تراكم مؤشرات غذّت الشكوك حول تداخل السلطة والمال.
ويزداد هذا الشك حين تغيب المعطيات التفصيلية حول المستفيدين الفعليين من الدعم العمومي، سواء تعلق الأمر بالدعم الفلاحي، أو تحفيزات الاستثمار، أو برامج الإنعاش الاقتصادي.
فالمبدأ الديمقراطي البسيط يقتضي أن يكون المال العام مقرونًا بالشفافية، وأن يُعلَن للرأي العام من استفاد، وبأي معايير، وبأي مقابل اجتماعي أو اقتصادي.
إن إعلان أسماء المستفيدين من الدعم العمومي لا يُعدّ تشهيرًا ولا مساسًا بحرية الاستثمار، بل إجراءً بديهيًا لتعزيز الثقة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فحين يعلم المواطن من استفاد من الإعفاءات والتحفيزات، يصبح النقاش عموميًا ومؤسسًا، وتتراجع الشبهات المرتبطة بتضارب المصالح أو توجيه السياسات لخدمة دوائر بعينها.
ودفاع بايتاس عن النفس الديمقراطي للحكومة، من خلال استحضار مصادقتها على حزمة من القوانين ذات الطابع الحقوقي، يظل بدوره محل نقاش.
فالإشكال لا يكمن في وجود النصوص القانونية، بل في أثرها الفعلي على أرض الواقع.
إذ لا معنى للحديث عن انتقالات حقوقية إذا لم تنعكس هذه القوانين على أوضاع المتقاضين، ولم تُسهم في تقليص الاحتقان، ولم تُحدث فرقًا ملموسًا في علاقة المواطن بالمؤسسات.
ويضاف إلى ذلك أن الخلط بين الخطاب الحزبي والحصيلة الحكومية يظل أحد أعطاب المرحلة. فحين تُقدَّم إنجازات الدولة بوصفها نجاحًا حزبيًا خالصًا، وحين تُسوَّق السياسات العمومية بلغة التعبئة التنظيمية، تضيع المسافة الضرورية بين منطق التدبير العمومي ومنطق الدعاية السياسية، ويُفرَّغ النقاش العمومي من بعده النقدي.
في السياسة، لا يكفي امتلاك “النفس الطويل” لتبرير الاستمرار، كما لا يكفي الصمت للادعاء بالعمل، فالمعيار الحقيقي يظل هو الثقة، وهذه لا تُبنى إلا بالشفافية، وبفصل واضح بين السلطة والمصالح الخاصة، وبالجرأة على فتح الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف الدعم العمومي، بدل تأجيله بخطاب مطمئن.
ليس النقاش اليوم حول النوايا، بقدر ما هو حول بنية الاختيار السياسي ذاته.
فإما أن يكون “ورش الدولة الاجتماعية” مسارًا جامعًا يعيد توزيع الفرص والثروة بعدالة، أو أن يتحول، من حيث لا يُعلَن، إلى واجهة تُدار خلفها مصالح ضيقة.
وبين الخطاب والواقع، يظل السؤال مفتوحًا: هل تملك الحكومة ما يكفي من الجرأة للإعلان عن أسماء المستفيدين من المال العام ومواجهة ملف تضارب المصالح بشفافية كاملة، أم أن “النفس الطويل” سيظل مجرد استعارة سياسية لتأجيل المحاسبة؟
