Who Benefits from Wealth Between Extraction Logic and the Reality of Unemployment?
When cities produce riches… and their youth are left without horizons
لم يعد الفيديو المنتشر لمواطن من إحدى المناطق القروية مجرد محتوى عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحوّل إلى سؤال سياسي واجتماعي عميق يضع منظومة كاملة أمام مرآة محرجة.
سؤال لا يُصاغ بلغة القانون، ولا بخطاب الأحزاب، بل بلغة القهر اليومي.
رجل يقف أمام شاحنات وبواخر ومخازن، ويتحدث عن معدن الكوبالت، ويسأل ببساطة جارحة: فين كتمشي هاد الثروة؟
الخطير في هذا الفيديو ليس حدّة العبارات، بل بساطتها.
لأن البساطة هنا تُعرّي أكثر مما تفعل التقارير لا وثائق، لا شعارات، لا تحريض منظّم… فقط واقع يُرى بالعين المجرّدة: كوبالت يُستخرج من الأرض، يُخزَّن، يُرحَّل، ويغادر، بينما يُطلب من أهل الأرض الصمت، أو في أحسن الأحوال، الاكتفاء بالفرجة.
ما يحدث هنا ليس حالة معزولة، بل نموذجاً مكثفاً لمسار يتكرر بصمت: استخراج بلا شرح، استغلال بلا أثر، وغموض بلا مساءلة.
وهنا بالضبط يبدأ الانفجار لأن المواطن حين يُقصى من المعلومة، لا يبقى محايداً.
وحين يرى الشاحنات تمرّ كل يوم محمّلة بمعدن استراتيجي، ولا تمرّ معها مدرسة، ولا طريق، ولا فرصة شغل، يتحول السؤال الطبيعي إلى غضب مشروع.
ويزداد ثقل السؤال المطروح حين نعلم أن المغرب يُعدّ البلد الوحيد في شمال إفريقيا الذي يُستخرج فيه معدن الكوبالت، وأن هذا المعدن لا يُستغل فقط كمنتج ثانوي، بل يُستخرج في بعض المواقع كمعدن رئيسي، ما يمنحه قيمة استراتيجية متزايدة في ظل التحولات العالمية المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا.
غير أن هذا المعطى، بدل أن يكون مصدر طمأنة، يتحول إلى عنصر قلق حين تبقى ثروة بهذا الوزن خارج النقاش العمومي، وبعيدة عن فهم الساكنة التي تعيش في محيطها.
قد تكون الأرقام موجودة في مكان ما، وقد تكون المعطيات مكتوبة في تقارير لا يراها أحد.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لمن تُكتب هذه المعطيات؟
هل تُكتب للناس الذين يعيشون فوق الأرض التي يُستخرج منها الكوبالت، ويرون الثروة تمرّ أمام بيوتهم صباح مساء؟ أم أنها تبقى حبيسة دوائر مغلقة، بعيدة عن النقاش العمومي؟
لأن الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالوضوح.
وحين تغيب المعلومة حول ثروة بحجم الكوبالت، يحلّ الشك.
وحين يطول الشك، يتحول إلى غضب صامت، الفيديو يكشف، دون تخطيط مسبق، خللاً أعمق من مجرد سوء تواصل.
يكشف قطيعة بين الثروة المعدنية الاستراتيجية ومحيطها الاجتماعي.
مدن تُنتج الخير، لكن شبابها يواجه البطالة، والهشاشة، وانسداد الأفق.
لا أثر ملموس على الأرض، لا انعكاس تنموي واضح، لا إشراك حقيقي للساكنة، ولا حتى احترام رمزي لحقها في المعرفة.
والنتيجة الطبيعية لهذا الفراغ هي لغة قاسية، تأويلات شعبية، واحتقان يتراكم ببطء.
وحين يقول المواطن: “قالو لينا شوفو وسكّتو”، فهو لا يحكي واقعة فردية، بل يلخص إحساساً جماعياً يرى في السكان مجرد متفرجين على ثروة أرضهم، لا معنيين بفهم مسارها ولا بنقاش مصيرها.
وهنا تكمن أخطر نقطة في القصة: تحويل الناس إلى شهود صامتين على ثروة استراتيجية، ثم استغراب حدّة ردود أفعالهم حين يتكلمون.
الكلمات القاسية التي وردت في الفيديو، مهما بلغت حدّتها، لا يمكن عزلها عن سياقها.
يجب قراءتها كـإنذار اجتماعي، لا كحكم.
إنذار بأن الغموض في تدبير ثروة بحجم الكوبالت يولّد أسوأ التأويلات، وأن الصمت الطويل يفتح الباب أمام خطاب متشنج، سببه غياب الشرح لا حبّ الفوضى.
اليوم، لم يعد المشكل في الفيديو ذاته، بل في ما كشفه:
في سنوات من الغموض حول الثروات المعدنية، في غياب نقاش عمومي صريح حول الكوبالت وغيره من المعادن الاستراتيجية، وفي ترك مدن كاملة تُنتج الثروة، بينما تعيش بطالة مزمنة وتهميشاً صامتاً.
هذا الفيديو ليس خطراً في حد ذاته، بل مرآة لواقع هش.
مرآة تقول بوضوح إن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بتكميم الأسئلة، بل بإعطائها أجوبة، ولا يُصان بإخراج الثروة فقط، بل بربطها بالإنسان الذي يعيش فوق أرضها.
والسؤال الذي فجّره هذا المقطع، ببساطة جارحة، لم يعد قابلاً للتأجيل:
من يستفيد من الثروة؟ ومن يدفع ثمنها اجتماعياً؟
لأن الثروة التي تُدار في الصمت، لا تبني وطناً… بل تزرع غضباً مؤجلاً.
