Benkirane Raises the Bar on Positions… While Leaving Alternatives Hanging
خلال اجتماع الأمانة العامة يوم أمس، كشف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، عن عودة واضحة إلى واجهة النقاش السياسي من بوابة الموقف لا من بوابة البرنامج، في لحظة إقليمية مضطربة وسياق داخلي يزداد تعقيداً مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
بنكيران، الذي اختار هذه المرة الابتعاد عن التفاصيل التنظيمية، غاص مباشرة في القضايا الكبرى، واضعاً نفسه في موقع “الفاعل الأخلاقي” داخل المشهد السياسي، من خلال قراءات حادّة لملفات إقليمية ووطنية، لكنها قراءات تتوقف عند حدود التشخيص وإعلان الموقف، دون أن ترتقي إلى مستوى الاقتراح العملي أو بلورة بدائل سياسية واضحة.
وفي تعليقه على ما راج بخصوص إعلان رمزي عن “استقلال منطقة القبائل” انطلاقاً من فرنسا، لجأ بنكيران إلى لغة حاسمة، معتبراً أن أي دعوة انفصالية، مهما كان سياقها أو مبررها، تشكّل تهديداً لوحدة الدول واستقرار المنطقة المغاربية ككل.
ويكتسي هذا الموقف دلالة خاصة، لكونه لا يصدر عن منطق المزايدة السياسية أو الرد بالمثل، بل عن قناعة ترفض منطق التفكيك كأداة صراع إقليمي، حتى حين يُسوَّق باعتباره ورقة ضغط مضادة. وبهذا المعنى، وضع بنكيران نفسه في موقع الرافض لأي لعب على حافة الجغرافيا، معتبراً أن الانفصال لا يخدم لا الجزائر ولا المغرب ولا مستقبل المنطقة.
وفي الملف الفلسطيني، بدا بنكيران منسجماً مع خطابه التقليدي، حيث طغت اللغة المشحونة بالوجع، والتوصيف القاسي للوضع الإنساني في غزة، إلى جانب إقرار صريح بعجز الأمة عن وقف المأساة.
غير أن هذا الموقف، على قوته الأخلاقية، ظل أسير المقاربة الوجدانية، دون أن يتحول إلى تصور سياسي عملي أو مبادرة ضغط واضحة تتجاوز منطق الدعاء والمناشدة.
فالرسالة كانت قوية من حيث الإدانة، لكنها محدودة من حيث الفعل، ما يعكس سقفاً سياسياً لم يرتفع بعد إلى مستوى بناء أدوات تأثير حقيقية.
وعند تناوله لملف الفيضانات التي ضربت عدداً من المدن المغربية، أقرّ بنكيران بوجود تقصير، قبل أن يعيد مركز الثقل إلى تدخل المؤسسة الملكية وتوجيهاتها، باعتبارها الضامن الأخير لتجاوز الأزمات.
هذا التوازن الدقيق في الخطاب، الذي ينتقد دون أن يصادم، يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود المساءلة السياسية في تصور الأمين العام: هل يكفي تشخيص الأعطاب، أم أن الظرف يقتضي تحويلها إلى مسؤولية حكومية واضحة؟
أما في ما يتعلق بالعمل الحزبي والاستحقاقات المقبلة، فقد شدّد بنكيران على أن حزبه لا يراهن على المال ولا على الاستعراض، بل على “الضمير والقلوب”، في إشارة ضمنية إلى منافسة غير متكافئة مع أحزاب تمتلك أدوات تنظيمية ومالية أكبر.
غير أن هذا الخطاب، رغم جاذبيته الرمزية، يظل في حاجة إلى ترجمة سياسية ملموسة تقنع فئات أوسع من الناخبين الباحثين عن حلول عملية لا عن شعارات أخلاقية.
بهذا المعنى، يعيد خطاب بنكيران الأخير وضع الرجل في موقع صاحب الموقف الواضح في قضايا حساسة، لكنه في المقابل يكشف عن فجوة مستمرة بين قوة الخطاب الأخلاقي وضعف العرض السياسي البديل، تاركاً السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الأسلوب كافياً لاستعادة موقع فاعل داخل مشهد سياسي يتغيّر بسرعة.
