في سياق النقاش المتصاعد حول مشاريع القوانين المعروضة حالياً، وخاصة مشروع قانون مهنة المحاماة، قدّم الحقوقي محمد الغلوسي قراءة نقدية اعتبر فيها أن ما يشهده المغرب اليوم لا يندرج في إطار إصلاحات تقنية معزولة، بل يعكس توجهاً تشريعياً عاماً ومخططاً له، يستهدف إعادة ترتيب المجال الحقوقي والقانوني على نحو يُكرّس التراجع عن مكتسبات راكمها المجتمع المغربي عبر عقود من النضال والتضحيات.
ويرى الغلوسي أن هذا المنحى لا يتوقف عند حدود القوانين المهنية، بل يمتد إلى التفاف واضح على روح دستور 2011، تحت ذريعة التقنين والتنظيم.
وهو ما يصفه بعملية “هندسة للصمت” تستهدف تفكيك أدوار الوساطة المجتمعية وإفراغها من مضمونها، بدل تعزيزها كضمانة للتوازن داخل المنظومة المؤسساتية.
وفي هذا السياق، يستحضر الغلوسي تعديل المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، التي أفضت عملياً إلى عزل المجتمع المدني والسلطة القضائية عن معركة مكافحة الفساد.
ويعتبر أن تمرير هذا التعديل تم في ظروف اتسمت بالاستعجال و”شبه الإجماع” البرلماني، بما حال دون إخضاعه لرقابة المحكمة الدستورية، رغم ما يثيره من تساؤلات بخصوص انسجامه مع الفصل 132 من الدستور.
وهو ما أدى، في نظره، إلى نقل الفساد من كونه قضية رأي عام إلى ملف إداري مغلق محدود التداول.
ويؤكد الغلوسي أن هذا التوجه هو المتضرر الأول من وجود محاماة قوية ومستقلة، باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية لحماية العدالة وضمان المساواة أمام القانون.
فالمحاماة المستقلة، في هذا المنظور، تمثل عائقاً حقيقياً أمام أي مسعى لتحجيم المساءلة أو إعادة تطبيع الإفلات من العقاب، خصوصاً في سياق تحوّلت فيه محاربة الفساد إلى دينامية مجتمعية ووعياً جماعياً متنامياً بخطورته على التنمية والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أن التشريعات الحالية تسعى إلى إعاقة هذه الدينامية وقلب المعادلة على الفاعلين المناهضين للفساد، سواء كانوا تنظيمات حقوقية أو مؤسسات رقابية، بالتوازي مع ما يصفه بسياسة “التبريد التشريعي” تجاه القوانين المرتبطة بتخليق الحياة العامة.
ويتجلى ذلك، بحسبه، في تعثر تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتجميد منظومة التصريح بالممتلكات وحماية المبلغين، إضافة إلى محدودية الأثر العملي للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد.
في المقابل، يلاحظ الغلوسي تسريع وتيرة تمرير قوانين ذات طابع تقييدي بصيغ تنظيمية هجينة، كما حدث مع قانون الصحافة وما سمي بالتنظيم الذاتي، ثم قانون المسطرة المدنية وقانون الإضراب، معتبراً أن اختلاف المجالات لا يُخفي وحدة المنحى الذي يحكم هذه النصوص.
ويضع الغلوسي هذا المسار في سياق أوسع يتسم باختلال واضح في ميزان القوى داخل المجتمع، ما جعل التوجه المستفيد من تداخل السلطة والمال ومنطق الريع يشعر، بحسب تعبيره، بأنه يوجد في “منطقة راحة وأمان” تاريخية.
وهو ما شجّع، في نظره، على محاولة القيام بـ“ريمونتادا” تشريعية على الدستور والتراكمات الحقوقية، استناداً إلى معطيات ظرفية وتقديرات تعتبر صمت المجتمع تفويضاً ضمنياً لتمرير هذه الاختيارات.
غير أن الغلوسي يحذّر من أن هذا الرهان يظل رهاناً قصير النفس، لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار التحولات العميقة في الوعي المجتمعي ولا السياق الدولي المتسم بالغموض واللايقين.
ويعتبر أن الاستمرار في هذا المسار لا يضر فقط بالمجتمع، بل يمسّ الدولة نفسها، من خلال تعميق الفجوة بين الفاعل الرسمي والمواطن، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وتهديد التوازن الضروري بين القوى الاجتماعية.
ويخلص الغلوسي إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل القانون من أداة لتوسيع الحقوق وحماية الفئات الهشة، إلى وسيلة لإعادة ضبط المجتمع بمنطق تقليصي، وهو ما قد يفضي، على المدى المتوسط والبعيد، إلى نتائج عكسية تمسّ السلم الاجتماعي والاستقرار المؤسساتي.
