لم تعد صفقات تزفيت الطرق أو بناء القناطر وحدها هي التي تسيل لعاب ذئاب التدبير المحلي؛ فقد دخلت الرقمنة بدورها نادي الصفقات المربحة، لكن هذه المرة في شكل تجارة غير مرئية يسهل تمريرها خلف شاشات الحواسيب.
ما كشفته جريدة الصباح حول مباشرة وزارة الداخلية لعمليات افتحاص دقيقة لصفقات رقمية بقيمة تقارب 30 مليون درهم، شملت 16 جماعة ترابية بجهات الدار البيضاء–سطات، فاس–مكناس، ومراكش–آسفي، لا يمكن التعامل معه كخبر عابر، بل كإشارة قوية على تشكل نمط جديد من الاختلالات، يمكن وصفه بـ“الفساد الناعم” الذي يرتدي ربطة عنق تكنولوجية ويتغذى من خطاب التحديث.
وتكمن خطورة المعطيات التي أوردتها الجريدة في كشفها لآليات قانونية جرى توظيفها بشكل ملتوٍ، من خلال الاستغلال المكثف لمرونة سندات الطلب وتجزئة الصفقات، بما يسمح بالالتفاف على مساطر طلب العروض المفتوحة، مع الحرص على إبقاء قيمة كل صفقة دون سقف 500 ألف درهم.
نحن هنا أمام ما يشبه “فساداً بالتقسيط”، تُفصَّل فيه دفاتر التحملات خارج منطق المنافسة الحقيقية، وتُمرَّر فيه صفقات جاهزة لشركات بعينها، في سياق سُجّلت فيه فوارق سعرية تتجاوز 20 في المائة مقارنة بأسعار السوق، دون أثر ملموس على جودة الخدمات.
ويزداد هذا المشهد قتامة حين نقارنه بالواقع اليومي للمرتفق، حيث تتسع الهوة بين خطاب الإدارة الذكية وممارسة إدارية لا تزال أسيرة البيروقراطية التقليدية. فبينما تُرصد اعتمادات ضخمة لاقتناء حلول رقمية، يظل المواطن مطالباً بوثائق ورقية وإجراءات متجاوزة، ما يطرح سؤال الجدوى والنجاعة، لا فقط سؤال الكلفة.
إن التحقيقات التي باشرتها مصالح وزارة الداخلية، استناداً إلى شكايات مقاولات اعتبرت نفسها مقصاة من المنافسة، تعكس توجهاً نحو تفكيك شبكات “الرقمنة الاستعراضية” التي تُستهلك كعنوان سياسي أكثر مما تُفعل كأداة إصلاح إداري.
وهي تحريات مرشحة، في حال تأكدت قرائن الاختلال، لأن تفتح الباب أمام مسارات مساءلة إدارية وربما قضائية، خاصة في القضايا المرتبطة بتبديد المال العام أو تعارض المصالح.
فالرقمنة، في جوهرها، وُجدت لتقليص هوامش الفساد عبر تبسيط المساطر وتقليص الاتصال المباشر، لكن حين تتحول هي نفسها إلى واجهة لإعادة إنتاج الاختلالات القديمة، نكون أمام إخفاق تدبيري مركّب يستدعي أكثر من مجرد تصحيح تقني.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد المنصات والبرمجيات، بل في ربط الإنفاق العمومي بالمحاسبة والنتائج، حتى لا تتحول “الصفر والواحد” إلى وسيلة لمضاعفة أصفار الحسابات على حساب الثقة العامة ودافعي الضرائب.
