نحن اليوم أمام مشهد يعكس مفارقة واضحة في تدبير الأزمات بالمغرب، تجلت خلال الندوة الصحفية التي أعقبت أشغال المجلس الحكومي اليوم الخميس ، حيث ركز الخطاب الحكومي، عبر مصطفى بايتاس، على المؤشرات الرقمية المرتبطة بتطور الموارد المائية، في مقابل غياب معطيات تفصيلية حول الكلفة الاجتماعية للفيضانات التي شهدتها عدة مناطق، من بينها مدينة القصر الكبير.
وخلال هذا اللقاء، قدّم الناطق الرسمي باسم الحكومة أرقاماً اعتبرها إيجابية، مفادها أن التساقطات المطرية المسجلة منذ فاتح شتنبر 2025 فاقت المعدل الطبيعي بنحو 35 في المئة، وأسفرت عن واردات مائية بلغت 9.53 مليارات متر مكعب، ما أدى إلى ارتفاع نسبة ملء السدود من 31 في المئة إلى أزيد من 64 في المئة.
وهي معطيات تكتسي أهمية استراتيجية في سياق يعاني فيه المغرب منذ سنوات من ضغط مائي متزايد، لكنها تظل أرقاماً “هيدروليكية” لا تجيب على معاناة المتضررين في الميدان.
إن هذا التركيز على المؤشرات التقنية يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى مواكبته للواقع الميداني؛ ففي مدن مثل القصر الكبير، واجه السكان أوضاعاً صعبة شملت أضراراً مادية واسعة، دون أن يصاحب ذلك إعلان رسمي عن تصنيف هذه المناطق كـ«مناطق منكوبة».
ويبرز هنا تساؤل حول “صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية”؛ فهذه الموارد ليست “هبة” من الميزانية العامة، بل مساهمات مباشرة دفعها المواطنون عبر رسوم التضامن في عقود التأمين، وهو ما يطرح تساؤلات حول منطق “التضامن الوطني” في لحظات الأزمات.
وفي هذا السياق، اكتفى بايتاس بالتأكيد على أن الحكومة تتابع الوضع «عن كثب»، وأنها ستتواصل بشأن المراحل اللاحقة «في الوقت المناسب».
غير أن هذا التعبير يظل مفتوحاً على أكثر من تأويل؛ إذ إن “الوقت المناسب” بالنسبة لأسرة في القصر الكبير تضررت ممتلكاتها هو الزمن القريب، لا المؤجل.
وهو ما يُفهم منه تأجيل القرار في سياق تتعارض فيه المقاربة الزمنية للتواصل مع الاستعجالية الاجتماعية.
وتكشف هذه الأزمة أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على قياس منسوب السدود، بل يمتد إلى القدرة على تحقيق توازن بين النجاحات التقنية وضمان حقوق المتضررين.
فتدبير الكوارث لا ينتهي بفتح الطرقات، بل يبدأ بوضوح القرار السياسي في جبر الضرر.
إن الفيضانات الأخيرة وضعت العلاقة بين الدولة والمواطن أمام اختبار عملي، وأظهرت أن الأرقام الإيجابية لملء السدود تظل غير كافية ما لم تُترجم إلى قرارات عملية تُعيد للمتضررين حقوقهم الاجتماعية والمالية.
