عاد النقاش حول الصفقات العمومية بقطاع الصحة إلى الواجهة بجهة درعة–تافيلالت، عقب إعلان المديرية الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن إطلاق طلب عروض يهم خدمات جمع ونقل ومعالجة وتصبين ملابس المؤسسات الاستشفائية التابعة لها.
ورغم الطابع التقني الظاهر للصفقة، فإن حجم غلافها المالي وطريقة تدبيرها حولاها إلى موضوع نقاش عمومي، في جهة تعاني من اختلالات بنيوية وخصاص مزمن في الموارد البشرية والتجهيزات الصحية.
وحسب المعطيات الواردة في إعلان طلب العروض رقم 69/2025، فقد جرى تحديد غلاف مالي تقديري يتراوح بين ستة ملايين درهم وعشرة ملايين وخمسمائة ألف درهم، على أن يتم فتح الأظرفة خلال شهر مارس 2026.
وتتعلق الصفقة بخدمات تصبين لفائدة مجموع المؤسسات الاستشفائية الخاضعة للمديرية الجهوية، في إطار صفقة إطار موحدة من حصة واحدة، وهو اختيار تدبيري أعاد إلى الواجهة النقاش حول مدى نجاعة مركزية هذه الخدمات، مقارنة بخيارات التدبير اللاممركز المرتبطة بالحاجيات اليومية لكل مستشفى على حدة.
وحسب ما أوردته جريدة “العمق” نقلاً عن مصادر مهنية ونقابية من داخل القطاع الصحي بالجهة، فإن الغلاف المالي المعلن عنه يبدو مرتفعاً مقارنة بصفقات مماثلة أطلقتها مؤسسات استشفائية إقليمية كبرى في جهات أخرى، حيث لم تتجاوز كلفتها التقديرية عشرات الملايين من السنتيمات.
هذا التفاوت في الأرقام فتح باب التساؤل حول المعايير المعتمدة في تحديد الكلفة التقديرية لصفقة درعة–تافيلالت، ومدى استنادها إلى معطيات دقيقة، من قبيل عدد الأسرّة، ومعدل دوران المرضى، وحجم الاستهلاك الفعلي للألبسة الطبية، وطبيعة الخدمات العلاجية المقدمة.
وفي المقابل، ذكرت جريدة “العمق” أن المديرية الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية قدّمت توضيحاتها في تفاعل مع ما أثير من نقاش، وذلك عبر اتصال هاتفي مع الجريدة، أكدت فيه أن الغلاف المالي المعلن عنه يظل تقديرياً، ويتضمن حداً أدنى وحداً أقصى، وأن التركيز انصبّ في المتابعات على السقف الأعلى دون استحضار باقي المعطيات التقنية.
كما أوضحت، حسب المصدر ذاته، أن خدمات التصبين لا تُنجز داخل المستشفيات، بل تُسند إلى شركات متخصصة تتكفل بجمع الألبسة المتسخة ونقلها ومعالجتها خارجياً، وفق نظام احتساب يعتمد الكيلوغرام كوحدة للأداء.
وأشارت المديرية، في التوضيح الذي نقلته “العمق”، إلى أن جهة درعة–تافيلالت تضم حالياً أحد عشر مستشفى، مع قرب دخول مؤسسة إضافية حيز الخدمة، معتبرة أن اتساع المجال الجغرافي للجهة، وتعدد المؤسسات الصحية، وما يرافق ذلك من متطلبات لوجستية وتقنية، عوامل تفسر حجم الغلاف المالي التقديري للصفقة.
غير أن هذه التوضيحات، التي لم تصدر في شكل بلاغ رسمي مكتوب موجه للرأي العام أو مرفق بوثائق طلب العروض، لم تُنهِ الجدل القائم، بقدر ما أعادت توجيهه نحو سؤال أوسع يتعلق بحدود الشفافية في تدبير الصفقات العمومية بقطاع الصحة.
فغياب معطيات مفصلة ومعلنة حول الاستهلاك السنوي الفعلي، والكلفة الحقيقية للصفقات المماثلة خلال السنوات الماضية، يجعل من الصعب تقييم مدى دقة التقديرات المعتمدة، ويُبقي الباب مفتوحاً أمام تساؤلات مشروعة، دون الجزم بوجود اختلالات مثبتة.
ويكتسي هذا النقاش بعداً خاصاً في جهة تعاني من ضغط متزايد على خدماتها الصحية، حيث يتحول كل نقاش مرتبط بالمال العام إلى مسألة ثقة قبل أن يكون مسألة محاسبة.
فالتحدي لا يكمن فقط في احترام المساطر القانونية لإطلاق الصفقات، بل في قدرة الإدارة على اعتماد تواصل مؤسساتي استباقي، يقدّم المعطيات المالية والتقنية للرأي العام بلغة واضحة ومفهومة، ويحصّن المرفق الصحي من منطق الريبة والتأويل.
في هذا السياق، لا يبدو الجدل الدائر حول صفقة تصبين مستشفيات درعة–تافيلالت نقاشاً تقنياً عابراً، بل مؤشراً على حاجة متجددة لإعادة التفكير في علاقة التدبير العمومي بالشفافية، وفي كيفية تحويل “التقدير المالي” من رقم إداري صامت إلى معطى قابل للفهم والمساءلة داخل الفضاء العمومي.
