مع اقتراب إسدال الستار على الولاية الانتدابية الحالية، تشير معطيات متقاطعة إلى أن بعض رؤساء الجماعات الترابية بجهات الدار البيضاء–سطات، مراكش–آسفي، والرباط–سلا–القنيطرة، اختاروا إنهاء ولايتهم ليس بتعزيز الحصيلة التنموية، بل باتخاذ قرارات إدارية ومالية مثيرة للجدل، كشفت عنها تقارير أقسام الشؤون الداخلية، ونشرتها جريدة هسبريس نقلاً عن مصادر عليمة.
وتفيد هذه المعطيات بأن ما يجري داخل عدد من الجماعات لا يمكن اختزاله في مجرد اختلالات تدبيرية معزولة، بل يعكس نمطًا متكررًا في اتخاذ قرارات إعفاء وتعيين همّت أطرًا تقنية ومهندسين ومسؤولين إداريين، على خلفية تحفظهم على التوقيع على صفقات وسندات طلب اعتُبرت غير مكتملة الشروط القانونية.
وقد جرى، في حالات متعددة، تعويض هؤلاء بموظفين أقل تجربة، لكنهم أبدوا استعدادًا أكبر لتحمّل مسؤولية التوقيع، ما سمح بتمرير عدد كبير من سندات الطلب في فترات زمنية وجيزة.
هذا التسارع في وتيرة القرارات والتوقيعات، مع اقتراب نهاية الولاية، يعكس، وفق متتبعين، توجهاً يثير تساؤلات حول توظيف الجماعات الترابية كآلية لتجميع موارد مالية غير مباشرة، في أفق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتزداد هذه التساؤلات حدةً مع تسجيل استفادة شركات بعينها من عقود متكررة داخل الجماعات نفسها، في غياب مبررات تقنية واضحة تفسر هذا التمركز.
وفي سياق متصل، أثارت التقارير والشكايات المرفوعة إلى السلطات المختصة مسألة لجوء بعض رؤساء الجماعات إلى تبرير رفضهم تسليم وثائق الصفقات ودفاتر التحملات للمواطنين والفاعلين المدنيين، بدعوى “السرية” المنصوص عليها في القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
وهو ما اعتبره متابعون توظيفًا موسعًا لمفهوم السرية، يتعارض مع روح دوريات وزارة الداخلية، التي تشدد على تكريس الشفافية وضمان الحق في الولوج إلى المعلومة.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن حجب المعطيات المرتبطة بالصفقات العمومية، خاصة في هذه المرحلة الحساسة، لا يؤدي إلا إلى تعميق منسوب الشك، وطرح علامات استفهام حول طبيعة بعض العقود المبرمة، ومدى انسجامها مع المصلحة العامة وانتظارات الساكنة.
وتضع هذه التطورات سلطات الوصاية أمام مسؤولية مضاعفة، ليس فقط من خلال رصد الاختلالات وتوثيقها في تقارير إدارية، بل عبر تفعيل الآليات القانونية المتاحة لضمان احترام قواعد الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فاستمرار بعض مظاهر الارتباك التدبيري، خاصة في جماعات توجد بضواحي المدن الكبرى، يساهم في ترسيخ صورة سلبية عن تدبير الشأن المحلي، ويؤثر بشكل مباشر على ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة وفي المسار الانتخابي نفسه.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يطرح هذا الوضع سؤالًا جوهريًا حول قدرة منظومة المراقبة على الحد من توظيف الجماعات الترابية خارج أدوارها التنموية، وضمان ألا تتحول الموارد العمومية إلى عنصر إرباك للعملية الانتخابية بدل أن تكون رافعة لخدمة الصالح العام.
