أعادت برمجة الفائض الحقيقي لميزانية جماعة فاس برسم سنة 2025 فتح نقاش واسع حول منطق تدبير المال العام وترتيب الأولويات داخل المدينة، وذلك عقب تخصيص 2.5 مليار سنتيم لإنجاز حلبة للتزلج داخل القاعة الكبرى (Arena)، في إطار دورة فبراير للمجلس الجماعي.
نقاش تجاوز الطابع التقني المرتبط بالفائض، ليأخذ أبعاداً اجتماعية وسياسية أعمق.
في مدينة لا تزال تعاني من اختلالات واضحة في البنية التحتية، ومن أعطاب مزمنة في النقل والمرافق العمومية، ومن ملفات اجتماعية ثقيلة، على رأسها ملف الدور الآيلة للسقوط، بدا هذا الاختيار محط تساؤل لدى فئات واسعة من المتتبعين للشأن المحلي.
فالفائض المالي، من حيث المبدأ، يُنظر إليه كفرصة لمعالجة الحاجيات المستعجلة وتحسين شروط عيش الساكنة، لا كمجال لإطلاق مشاريع ذات طابع ترفيهي مثير للجدل.
وكشفت مصادر إعلامية أن مكونات من المعارضة داخل المجلس الجماعي عبّرت عن استغرابها من طريقة إعداد وتوزيع الفائض، معتبرة أن الوثائق المعروضة لم تكن في مستوى رهانات البرمجة المالية الدقيقة، وأن عملية التوزيع لم تعكس بشكل كافٍ حجم الإكراهات الاجتماعية التي تعيشها المدينة.
وفي هذا السياق، أثارت المعارضة مسألة الأولويات، خاصة في ظل استمرار تعثر ملفات تتطلب تدخلاً عاجلاً.
في المقابل، دافع عمدة فاس عن المشروع، موضحاً أن حلبة التزلج تندرج ضمن تصور متكامل لإحداث قاعة كبرى متعددة الاستعمالات بسعة تناهز 7 آلاف مقعد، بتمويل إجمالي يقارب 5.5 مليار سنتيم، في إطار مشاريع تشرف عليها وزارة التربية الوطنية والرياضة والتعليم الأولي.
واعتبر أن المشروع يمكن أن يساهم في تنشيط العرض السياحي للمدينة، خصوصاً خلال فصل الشتاء.
غير أن هذا التبرير لم يُنهِ الجدل، بل أعاد طرح سؤال الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشروع، ومدى انسجامه مع واقع فاس وخصوصياتها.
فالتنمية السياحية، في نظر عدد من المتابعين، لا تنفصل عن جودة الفضاء الحضري، وسلامة البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، وهي عناصر ما تزال تشكل نقاط ضعف واضحة داخل المدينة.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن لحظة برمجة الفائض المالي تشكل اختباراً حقيقياً للحكامة المحلية، لأنها تعكس اختيارات الأغلبية المسيرة وتصورها لأولويات التدخل العمومي.
فحين تتراكم المطالب الاجتماعية، ويظل جزء من الساكنة يعيش تحت ضغط الهشاشة، يصبح توجيه الموارد المالية نحو مشاريع غير ذات أولوية محل نقاش مشروع، ليس فقط داخل المجالس المنتخبة، بل أيضاً في الفضاء العمومي.
هكذا، أعادت دورة فبراير بجماعة فاس طرح سؤال قديم-جديد حول علاقة القرار المحلي بالواقع الاجتماعي، وحول مدى قدرة التدبير الجماعي على التوفيق بين الطموح الرمزي والحاجة اليومية للمواطن.
وهو نقاش مرشح للاستمرار، ما دامت المدينة تعيش على إيقاع مفارقة واضحة بين الإمكانيات المتاحة وانتظارات الساكنة.
