بعد سنوات طويلة من الهدر المالي الذي اعتبره متتبعون إخلالًا جسيمًا بحق المدرسة العمومية، أعادت قاضية التحقيق المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط ملف «البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم» إلى واجهة النقاش العمومي، عقب اتخاذها إجراءات احترازية شملت سحب جوازات السفر وإغلاق الحدود في وجه مسؤولين سابقين بقطاع التربية الوطنية، من بينهم مديرة سابقة لأكاديمية الرباط، وذلك للاشتباه في تورطهم في تبديد واختلاس أموال عمومية قُدّرت بحوالي 43 مليار درهم، صُرفت من المال العام الذي يموّله دافعو الضرائب.
وتُبرز معطيات البحث القضائي وجود اختلالات ممنهجة في تدبير الصفقات العمومية المرتبطة بهذا البرنامج، حيث أظهرت التحقيقات التي أنجزتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أن شركتين فقط استحوذتا على أزيد من 80 في المئة من صفقات اقتناء العتاد الديداكتيكي، في سياق تميّز بتوجيه المواصفات التقنية لتتلاءم مع موردين بعينهم، واعتماد منافسات وُصفت بالصورية، إضافة إلى اللجوء إلى تجزئة الطلبيات بما سمح بالالتفاف على المساطر القانونية والحد من فعالية آليات المراقبة القبلية والبعدية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الاختلالات، وفق المعطيات المتوفرة، على الجانب المالي فقط، بل امتدت إلى ضعف المردودية التربوية للاستثمارات المنجزة.
فقد جرى تزويد عدد من المؤسسات التعليمية بمعدات غير مطابقة للمواصفات المتعاقد بشأنها، ظل جزء كبير منها غير مستعمل أو خارج الخدمة، في ظل غياب خدمات ما بعد البيع وضمانات الجودة، ما طرح تساؤلات جدية حول العلاقة بين حجم الإنفاق العمومي والأثر الفعلي على جودة التعليم.
وفي هذا السياق، سبق لـالمجلس الأعلى للحسابات أن نبه، في تقارير رسمية، إلى هذه الإشكالات، معتبراً أن منطق “الاستعجال” الذي طبع تنفيذ البرنامج أضعف آليات الحكامة والرقابة، وأثر سلباً على نجاعة صرف الاعتمادات المالية المرصودة، سواء من حيث احترام المساطر أو من حيث تحقيق الأهداف التربوية المعلنة.
إن متابعة عدد من المسؤولين السابقين بشبهات تتعلق بتبديد أموال عمومية والتلاعب في وثائق تبريرية للنفقات، تضع الدولة أمام اختبار فعلي لترجمة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في ملف يُعد من أبرز القضايا المرتبطة بتدبير الشأن التعليمي خلال العقود الأخيرة.
فالقضية لم تعد مجرد وقائع إدارية معزولة، بل تحوّلت إلى سؤال بنيوي حول كيفية تدبير برامج إصلاحية كبرى تموَّل من عرق المغاربة دون أن تنعكس نتائجها بالشكل المأمول على المدرسة العمومية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات التفصيلية الجارية، يظل النقاش مفتوحاً حول حدود المسؤولية بين المستويات الجهوية والمركزية، وحول أسباب استمرار هذه الاختلالات لسنوات، في وقت لا تزال فيه المدرسة العمومية تتحمل كلفة تعثر مخططات إصلاح رُصدت لها ميزانيات ضخمة، بينما ظل تحسين جودة التعليم ومؤشراته الأساسية رهين وعود لم تتحقق بعد.
