بينما كانت قاعة المؤتمر الاستثنائي لـ”حزب الحمامة” بمدينة الجديدة تهتز بالتصفيق، كان هناك شعور طاغٍ بأننا لا نشاهد انتقالاً ديمقراطياً بالمعنى الكامل، بقدر ما نتابع عملية إعادة ترتيب سياسية تهدف إلى تخفيف الحمولة التي بات يمثلها اسم أخنوش قبل محطة 2026.
إن خروج عزيز أخنوش من رئاسة الحزب لا يبدو مجرد “استراحة محارب” أو تعبيراً عن زهد في المناصب، بل يوحي بأن الصورة السياسية المرتبطة بالرجل أصبحت عبئاً انتخابياً على الحزب، بعدما ارتبط اسمه في المخيال العام بمرحلة اتسمت بارتفاع كلفة المعيشة.
لقد اختار أخنوش مغادرة واجهة التنظيم متسلحاً بلغة عاطفية حول “محاربة الفقر”، في مفارقة لافتة؛ إذ يصعب إقناع مواطن أنهكته الأسعار المتصاعدة بأن الخطاب وحده كفيل بجبر اختلالات عميقة. هذا الخروج يمكن قراءته كمحاولة لفك الارتباط الرمزي بين رئيس حكومة محاط بالانتقادات وبين حزب يسعى إلى دخول الاستحقاقات المقبلة بصورة أقل استنزافاً.
إنها عملية إعادة فصل بين رأس المال وواجهة الفعل الحزبي، بعد أن أصبح نقاش تضارب المصالح حاضراً بقوة في النقاش العمومي، وتزايدت الإشارات الصادرة عن تقارير مؤسساتية وشعارات احتجاجية رافقت مختلف المحطات السياسية الأخيرة.
أما صعود محمد شوكي لخلافته، فيُقرأ من قبل مراقبين باعتباره امتداداً لمنطق الاستمرارية التنظيمية أكثر منه قطيعة سياسية واضحة.
فشوكي، الذي تدرج داخل هياكل الحزب خلال المرحلة السابقة، يُنظر إليه كوجه قادر على تدبير التوازنات الداخلية وضمان استمرارية الماكينة الانتخابية، في انتظار ما ستفرزه التحولات السياسية المقبلة.
غير أن المؤتمر حاول تقديم هذا التحول كجزء من خطاب “الدولة الاجتماعية”، في وقت يرى فيه منتقدون أن هذا الشعار يصطدم بواقع تتزايد فيه أدوار الفاعلين الاقتصاديين داخل دوائر القرار، ومعه تراجع الإحساس بالأمان الاجتماعي لدى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى.
إن ما جرى في الجديدة يعكس، في جوهره، محدودية تجربة “الحزب المقاولة” في تدبير الشأن العام. فقد تبيّن أن السياسة ليست مجرد أرقام ومؤشرات تقنية، بل هي أيضاً أخلاق عمومية وعدالة اجتماعية.
يغادر أخنوش رئاسة الحزب ليستمر في موقعه الحكومي، لكنه يترك وراءه تنظيماً يواجه أسئلة صعبة حول القيادة والاتجاه، ومواطناً بات يدرك أن تغيير الوجوه في المنصات الحزبية لا يعني بالضرورة تغيير المنهج الذي حكم المرحلة السابقة.
هل سينجح هذا التحول في إقناع الناخب المغربي، أم أن رمزية “الحمامة” تضررت بما يكفي لتفقد قدرتها على استعادة الثقة في زمن الغلاء؟
