كشفت مصادر إعلامية، استناداً إلى إشعارات رسمية صادرة عن نظام الإنذار السريع الأوروبي للمنتجات الغذائية (RASFF)، أن السلطات الصحية بعدد من دول الاتحاد الأوروبي رفعت، خلال الأسبوع الجاري، مستوى التحذير في وجه شحنات من منتجات فلاحية مغربية، بعد رصد تجاوزات لمعايير السلامة الصحية المعتمدة، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة مقلقة حول فعالية منظومة المراقبة وجودة ما يُوجَّه للتصدير، وانعكاس ذلك على سلامة ما يُستهلك داخل السوق الوطنية.
ولم تعد هذه الإشعارات، وفق المعطيات المتوفرة، مجرد ملاحظات تقنية عابرة، بل تحولت إلى مؤشرات إنذار حقيقية تكشف محدودية بعض آليات التتبع والمراقبة، وتضع النموذج الفلاحي التصديري أمام اختبار صارم.
فقد همّت التحذيرات الأوروبية حالتين منفصلتين تتعلقان بمنتجين طازجين موجَّهين للتصدير، ويتعلق الأمر بـ الفلفل الحار وتوت العليق.
وحسب المصادر ذاتها، أبلغت السلطات الصحية في إسبانيا، بتاريخ 4 فبراير 2026، عبر الإشعار رقم 2026.0950، عن تسجيل مستويات مرتفعة من مبيدات الفينازاكين والفورميتانات والفلوينكاميد في شحنة من الفلفل الحار الطازج المغربي (Capsicum annuum). وأوضحت نتائج التحاليل أن هذه المستويات تجاوزت القيم المرجعية القصوى المسموح بها أوروبياً، لا سيما تلك المرتبطة بمؤشرات السلامة الصحية الخاصة بالأطفال، وفق معايير ARfD وADI، ما استدعى تشديد المراقبة على الحدود وتقييد توزيع الشحنة داخل التراب الإسباني في إطار إجراءات احترازية لحماية المستهلك.
وفي السياق نفسه، كشفت نفس المصادر أن السلطات الصحية في هولندا أبلغت، بتاريخ 5 فبراير 2026، عبر الإشعار رقم 2026.0979، عن رصد فيروس نوروفيروس في شحنة من توت العليق المغربي الطازج.
وقد صُنِّفت هذه الحالة ضمن المخاطر الصحية المحتملة والجادة، بالنظر إلى طبيعة الفيروس المرتبط عادة بشروط النظافة وسلامة السلاسل الإنتاجية.
ورغم إشعار المستلمين المعنيين، سُمح بتوزيع الشحنة في بعض الدول الأعضاء الأخرى، شريطة إخضاعها لمراقبة وتتبع دقيقين لضمان السلامة الصحية.
هذه الوقائع، وإن قُدِّمت في إطارها التقني، تطرح في العمق إشكالاً يتجاوز منطق “الخلل المعزول” نحو مساءلة فعالية منظومة السلامة الغذائية ككل.
فإذا كانت شحنات موجَّهَة للتصدير، تمر عبر مسارات مراقبة متعددة وتخضع لاختبارات صارمة، قد سجلت هذه التجاوزات، فإن سؤال وضع المنتجات المتداولة داخل السوق الوطنية يظل مطروحاً بإلحاح، في ظل تفاوت مستويات التتبع والاختبار.
وتشير معطيات علمية معتمدة إلى أن مبيدات مثل الفينازاكين والفورميتانات والفلوينكاميد تُستعمل لمكافحة الآفات وتحسين مردودية الإنتاج، غير أن الإفراط في استعمالها أو عدم احترام فترات الأمان قد يؤدي إلى تراكمها في المنتجات الغذائية، ما يشكل خطراً صحياً، خاصة على الأطفال والحوامل.
كما تفيد دراسات بأن التعرض المرتفع أو المزمن لبعض هذه المواد قد يتسبب في اضطرابات بالجهاز العصبي والهضمي، ويؤثر على التوازن الهرموني لدى الإنسان، وهو ما يفسر تشدد السلطات الصحية الأوروبية في تطبيق معايير السلامة دون هامش للتساهل.
وفي هذا الإطار، يبرز تناقض لافت في منطق تدبير السلامة الغذائية؛ إذ يتم استنفار آليات دقيقة للحفاظ على ولوج المنتوج المغربي إلى الأسواق الخارجية وحماية سمعته التصديرية، بينما يظل سؤال سلامة ما يستهلكه المواطن المغربي مطروحاً، في ظل غياب نفس الدرجة من الصرامة واليقظة داخل السوق الوطنية.
هذا التفاوت غير المعلن في مستويات الحماية الصحية يضع الثقة الغذائية على المحك، ويفتح نقاشاً ضرورياً حول توحيد معايير السلامة بين ما يُصدَّر وما يُستهلك محلياً.
إن التحذيرات الأوروبية الأخيرة لا ينبغي التعامل معها بمنطق القلق التسويقي الظرفي، بل باعتبارها فرصة لإعادة تقييم شاملة لمنظومة المراقبة القبلية، وتعزيز آليات التتبع، وترسيخ مبدأ بسيط: جودة الغذاء حق أساسي للمواطن داخل بلده قبل أن تكون شرطاً للولوج إلى الأسواق الخارجية.
فالصحة العمومية لا تقبل منطق الواجهتين، وسلامة الموائد لا ينبغي أن تخضع لمنطق الوجهة.
