لم يكن وصول المحتجين القادمين من أعالي جبال الأطلس، اليوم الاثنين، إلى ساحة البرلمان بالرباط مجرّد فعل احتجاجي روتيني، بل بدا أشبه بارتداد سياسي متأخر لزلزال لم تنتهِ تداعياته بعد.
ثلاث سنوات مرّت على الفاجعة، ولا تزال المسافة شاسعة بين خطاب رسمي يتحدث عن “إنجازات” تُقاس بالأرقام، وواقع إنساني تُقاس فيه المعاناة بدرجات البرد داخل الخيام والحاويات، وبعدد الليالي التي تقضيها أسر كاملة دون سقف دائم يحفظ كرامتها.
هؤلاء لم يقطعوا مئات الكيلومترات تحت المطر والثلوج طلبًا لعطف أو إحسان، بل جاؤوا ليذكّروا بأن وعود إعادة الإعمار لم تصمد أمام أول اختبار اجتماعي حقيقي.
فحين تتحدث التقارير الرسمية عن ملايير صُرفت ونسب إنجاز متقدمة، بينما يواجه المتضررون شتاءهم الثالث في مساكن مؤقتة تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، يصبح السؤال مشروعًا حول طبيعة هذا “النجاح” المعلن، وحول الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش على الأرض.
المفارقة أن الفاجعة تحوّلت، في لحظة ما، إلى مادة لتسويق سردية رسمية عن “تدبير ناجح”، في وقت ظل فيه الضحايا عالقين بين مساطر إدارية معقدة، ودعم جرى تقليصه، ومعايير استحقاق لم تراعِ خصوصية الجبل ولا هشاشة ساكنته. هنا، لا يعود الخلل تقنيًا فحسب، بل يتخذ بعدًا سياسيًا واجتماعيًا، لأنه يعكس عجز المقاربة البيروقراطية عن إدراك أن الكارثة ليست ملفًا يُغلق بالأرقام، بل جرحًا مفتوحًا يحتاج معالجة عادلة ومستدامة.
ويعيد هذا المشهد، بقوة، إلى الواجهة الانقسام غير المعلن بين “المركز” و“الهامش”، حيث تُدار الأزمات من المكاتب، بينما تُترك المناطق الجبلية لمواجهة الطبيعة القاسية وبيروقراطية لا تقل قسوة.
وليس من قبيل الصدفة أن يعود المحتجون إلى الشارع بعد انقضاء المواعيد الرياضية والقارية الكبرى، في إيحاء مؤلم بأن كرامة المواطن في الهامش تُؤجَّل كلما تعلّق الأمر بتلميع الصورة في الخارج.
إن المطالبة بفتح تحقيق شفاف ومستقل في تدبير التعويضات ليست ترفًا حقوقيًا ولا شعارًا ظرفيًا، بل شرطًا أساسيًا لوقف نزيف الثقة.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد المنشآت التي تُبهر بها العالم، بل بقدرتها على حماية مواطنيها في لحظات الانكسار، وضمان ألا يتحولوا إلى نازحين داخل وطنهم.
وما يجري اليوم أمام البرلمان ليس سوى اختبار صريح لهذا الادعاء: إما أن تُطوى صفحة التشرد بقرارات ملموسة تعيد للناس بيوتهم واعتبارهم، أو أن يظل هذا الملف شاهدًا مؤلمًا على فجوة عميقة بين الخطاب والواقع، تؤكد أن إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ بإنصاف الإنسان وكرامته، قبل رصّ الأحجار وبناء الجدران.
