لم يعد الصمت مجديًا أمام المشاهد المقلقة التي بات مطار محمد الخامس الدولي مسرحًا لها، إذ إن ما حدث مؤخرًا مع مسافري رحلة إسطنبول، الذين اضطروا للاحتجاج من داخل قمرة الطائرة عقب إلغاء الرحلة في آخر لحظة، لا يمكن اختزاله في “عطب تقني” أو “ارتباك عابر”.
فالواقعة تعكس، في عمقها، اختلالًا واضحًا في منظومة التواصل وتدبير الأزمات داخل شركة استراتيجية يُفترض أن تمثل إحدى الواجهات الحيوية لصورة المغرب في الخارج.
ووفق إفادات متطابقة لعدد من الركاب، فقد تُرك المسافرون عالقين داخل الطائرة دون معطيات دقيقة حول أسباب الإلغاء، ودون تواصل واضح يشرح ما يجري، أو يقدّم بدائل عملية تحترم الحد الأدنى من حقوق الزبناء.
هذا الوضع خلق حالة من التوتر والارتباك، وطرح تساؤلات جدية حول نجاعة آليات التدبير المعتمدة، خاصة في سياق يروّج فيه الخطاب الرسمي لرقمنة الخدمات وتحسين تجربة السفر.
ويزداد هذا التساؤل حدة حين يُقارن الطموح المعلن لتوسيع الأسطول الجوي وتعزيز الحضور الدولي، بصعوبة تدبير وضعية طارئة لرحلة واحدة نحو وجهة سياحية كبرى.
فالتحدي، في مثل هذه الحالات، لا يكمن في قرار الإلغاء بحد ذاته، بل في طريقة التواصل معه، وفي القدرة على احتواء الأزمة بأدوات مهنية تحافظ على ثقة المسافر وكرامته.
هذا الارتباك يعيد إلى الواجهة النقاش حول مردودية الدعم العمومي الذي استفادت منه الخطوط الملكية المغربية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مرحلة ما بعد الجائحة، حين ضُخّت موارد مالية مهمة في إطار خطط الإنقاذ وإعادة الهيكلة.
واليوم، يصبح من المشروع التساؤل حول الأثر الملموس لهذه الموارد على جودة الخدمات وتجربة السفر، بدل الاكتفاء بتبرير الإخفاقات بعوامل تقنية أو ظرفية.
إن مشهد الاحتجاج من داخل الطائرة تحوّل، في نظر متابعين، إلى أزمة تواصل ذات أبعاد دولية، تمس صورة الناقل الوطني، وتنعكس بشكل مباشر على الجهود التي تبذلها الدولة لتسويق المغرب كوجهة سياحية واستثمارية.
فالمطار يشكّل الواجهة الأولى لأي بلد، وأي ارتباك في تدبيره يترك أثرًا سلبيًا على الانطباع العام، خاصة لدى الزوار الأجانب.
وفي أفق الاستعداد لاحتضان تظاهرات كبرى بحلول عام 2030، يبرز هذا النوع من الحوادث كاختبار حقيقي لمنظومة الحكامة في قطاع حساس.
فنجاح الرهان لا يمر فقط عبر تحديث الأسطول أو توسيع الشبكة الجوية، بل عبر ترسيخ ثقافة تواصل فعّالة، وربط واضح بين الموارد المرصودة وجودة الخدمات المقدّمة.
ذلك أن المسافر، مغربيًا كان أو أجنبيًا، لا يطالب بامتيازات استثنائية، بل بتجربة سفر تحترم أبسط معايير الاحتراف والشفافية.
