كشف تقرير حقوقي دولي صادر عن هيومن رايتس ووتش أن سنة 2025 شكّلت منعطفاً مقلقاً في علاقة السلطة بحرية الصحافة بالمغرب، مسجلاً تصاعداً لافتاً في المتابعات القضائية ضد صحفيين ونشطاء على خلفية مواد إعلامية أو تعبيرات نقدية، مع اعتماد متزايد على مقتضيات القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر، وهو ما اعتبرته المنظمة توجهاً يفرغ الضمانات الدستورية من مضمونها العملي.
وأوضح التقرير أن السلطات واصلت خلال السنة الماضية اللجوء إلى تهم من قبيل “نشر أخبار كاذبة”، و“التشهير”، و“الإساءة إلى هيئات عمومية”، و“المساس بالنظام العام”، في قضايا مرتبطة مباشرة بالتعبير الصحفي أو بالنقاش العمومي، مع تسجيل صدور أحكام سالبة للحرية وغرامات مالية مرتفعة.
واعتبرت المنظمة أن هذا النمط من المتابعات لا يمكن فصله عن سياق عام يتسم بتقلص هامش النقد، خاصة في الملفات ذات الحساسية السياسية أو الاجتماعية.
وسجل التقرير أن استعمال القانون الجنائي في قضايا الصحافة يشكل، عملياً، آلية ردع غير مباشرة، لا تستهدف فقط الصحفيين المعنيين بالأحكام، بل تمتد آثارها إلى مجمل الحقل الإعلامي، عبر تكريس مناخ من التخويف والضغط النفسي والمالي، يدفع عدداً من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى ممارسة رقابة ذاتية متزايدة تفادياً للملاحقة القضائية.
وأبرزت المنظمة أن هذا المناخ ينعكس سلباً على جودة النقاش العمومي، ويحدّ من قدرة الإعلام على الاضطلاع بدوره الرقابي في قضايا الشأن العام.
وفي هذا السياق، ربط التقرير بين تشديد المتابعات في قضايا الصحافة وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي، خاصة خلال الاحتجاجات التي عرفتها عدة مدن، حيث جرى توسيع دائرة المتابعات لتشمل أيضاً التعبير الرقمي ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي.
واعتبرت المنظمة أن معالجة التعبير الاحتجاجي والإعلامي بمنطق زجري يساهم في تعميق فجوة الثقة بين المؤسسات والمجتمع، بدل احتوائها عبر الحوار والضمانات القانونية.
كما توقف التقرير عند مفارقة لافتة بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد التزام المغرب بحرية التعبير والإصلاحات الدستورية، وبين الممارسة العملية التي تكشف استمرار اللجوء إلى أدوات قانونية صارمة في مواجهة الصحافة المستقلة والأصوات الناقدة.
واعتبرت المنظمة أن تفضيل المساطر الجنائية على آليات التنظيم الذاتي أو المتابعة المدنية يشكل تراجعاً عن المكتسبات التي راكمها المغرب في مجال حرية الصحافة خلال سنوات سابقة.
وخلص تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أن سنة 2025 أبرزت بوضوح تحول القانون الجنائي إلى أداة مركزية في تدبير العلاقة مع الصحافة، داعياً السلطات المغربية إلى وقف المتابعات السالبة للحرية في قضايا التعبير، وضمان احترام قانون الصحافة والنشر، وتعزيز استقلال القضاء، بما ينسجم مع الدستور والالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان.
