في اللحظة التي يتقاطع فيها القلق المناخي بالرهان الاقتصادي، يتحول الماء في المغرب من مجرد مورد طبيعي إلى ملف سيادي بالغ الحساسية، تتشابك داخله الحسابات التقنية مع الأجندات الاستثمارية طويلة الأمد.
وبينما تمنح التساقطات المطرية الأخيرة وارتفاع نسب ملء السدود نوعاً من الطمأنينة الظرفية للرأي العام، يبرز مشروع محطة تحلية مياه الدار البيضاء، باعتباره أحد أكبر المشاريع المائية في إفريقيا بكلفة تناهز 6.5 مليارات درهم، ليعيد طرح أسئلة جوهرية تتجاوز لغة البلاغات الرسمية إلى عمق الخيارات الاستراتيجية التي تؤطر السياسة المائية الوطنية.
السؤال المركزي الذي يفرض نفسه لا يتعلق بمبدأ التحلية في حد ذاته، إذ لا يختلف اثنان حول حاجة الدول ذات المناخ المتقلب إلى تنويع مصادرها المائية، بل يرتبط بعقيدة القرار وتوقيته، وبالطريقة التي تُصاغ بها الشراكات والعقود بين القطاعين العام والخاص.
ففي هذا النوع من المشاريع الكبرى، غالباً ما تُبنى الالتزامات المالية والتقنية في دوائر ضيقة، بصيغ تعاقدية معقدة، تجعل من توزيع المخاطر مسألة غير واضحة للرأي العام، وتحوّل القرار المائي من نقاش سياسي مفتوح إلى ملف تقني مغلق، محصّن من المساءلة الآنية.
إن الاندفاع نحو مشاريع تحلية ضخمة يثير مخاوف من تكريس تبعية جديدة؛ فبدلاً من الارتهان لعوامل طبيعية متغيرة، يصبح الأمن المائي مرتبطاً بتكنولوجيا مستوردة، وكلفة طاقية مرتفعة، وعقود تشغيل تمتد أحياناً لثلاثة عقود.
وفي إطار صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، تلتزم الدولة بضمانات مالية مرتبطة بما يُعرف بـ“الاستعداد الدائم للإنتاج”، ما يعني عملياً تحمّل الخزينة العمومية كلفة ثابتة حتى في سنوات الوفرة المائية. اقتصادياً، يفضي هذا المنطق إلى ازدواجية في الكلفة: استثمارات ضخمة في محطات قد لا تُستغل بكامل طاقتها، مقابل استمرار نزيف المياه في شبكات التوزيع المهترئة.
وتزداد حساسية هذا النقاش حين ننتبه إلى السياق المؤسساتي الذي تُتخذ فيه هذه الاختيارات. فحين تتقاطع سلطة التشريع وتوجيه السياسات العمومية مع حضور اقتصادي قوي في القطاعات الاستراتيجية نفسها، يصبح سؤال تضارب المصالح سؤالاً مشروعاً. الإشكال هنا لا يتعلق بالأشخاص، بل بطبيعة المنظومة التي تسمح بتداخل أدوار المشرّع، والمنفّذ، والمستفيد المحتمل.
ففي مثل هذه الحالات، لا يعود القرار التقني محايداً بالكامل، بل محاطاً بشبهة انحياز بنيوي، حيث يُخشى أن تُصاغ القوانين بما ينسجم مع منطق السوق أكثر مما يستجيب لمنطق المصلحة العامة.
إن ما يحدث اليوم، تحت غطاء “الشراكات”، قد لا يكون سوى خصخصة غير معلنة لقطاع الماء؛ حيث تصبح الدولة في جوهر العملية مجرد وسيط مالي يعيد توجيه الموارد العمومية لتُصرف في شكل مستحقات مضمونة وأرباح منخفضة المخاطر لفائدة المستثمر الكبير.
هذا التحول يفرغ مفهوم “الدولة الاجتماعية” من جزء مهم من مضمونه، ويحوّل المؤسسات العمومية إلى آلية ضمان مالي تضمن تدفق السيولة من المستهلك إلى الفاعلين الاقتصاديين المهيمنين، دون نقاش عمومي حقيقي حول كلفة هذه التبعية على المدى المتوسط والبعيد.
ويتعقد المشهد أكثر حين يربط صناع القرار بين مشاريع التحلية وبين طموحات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
فهل الهدف الأول هو تأمين التزود بالماء الصالح للشرب، أم توفير مورد مائي صناعي يخدم سلاسل إنتاج طاقية ذات بعد تصديري؟ هذا السؤال يكشف الحاجة الملحّة إلى وضوح في ترتيب الأولويات، خاصة في ظل الآثار البيئية المرتبطة بتصريف المخلفات الملحية، والأعباء المالية التي تتحملها الدولة.
أما البعد الاجتماعي، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة.
فالمتر المكعب من الماء المحلّى هو منتج صناعي عالي الكلفة، والانتقال من “ماء السدود” إلى “ماء التحلية” يفرض ضغوطاً حقيقية على سياسات التسعير والدعم.
وفي هذا السياق، تبدو أي سياسة مائية لا تبدأ بتقليص الهدر، ولا تعالج اختلالات أنماط الاستغلال الفلاحي المكثف الموجه للتصدير، سياسة منقوصة تعالج النتائج دون الأسباب، وتُبقي العبء الأكبر على كاهل المواطن.
في النهاية، لا ينبغي أن يُقرأ بناء أكبر محطة تحلية كإنجاز تقني فحسب، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد.
فالسؤال الحقيقي ليس كم ننتج من الأمتار المكعبة، بل كيف، ولماذا، ولصالح من.
هل نحن بصدد بناء نظام مائي عادل يخدم الأمن السيادي للبلاد، أم أننا نرهن مستقبل الأجيال القادمة لعقود مالية وتقنية قد تجعل من شربة الماء امتيازاً مرتبطاً بمنطق السوق، لا حقاً مضموناً لمن يسكن فوق هذه الأرض.
