في القاعة الفسيحة لمجلس المستشارين، وأمام وجوه صقلتها البروتوكولات، أطلّ عبد القادر اعمارة ليتحدث عن “العدالة الاجتماعية” في نسختها العاشرة لعام 2026.
كان خطابًا أنيقًا، مفرداته منتقاة بعناية بين “الصمود” و“السياسات المنصفة” و“الانتقال البنيوي”، لكنه في جوهره يطرح سؤالًا حارقًا: هل يقرأ المسؤولون نفس التقارير التي يعيشها المواطن في الأسواق والمستشفيات؟
إن تغنّي اعمارة ببلوغ التغطية الصحية نسبة 88 في المائة يبدو في التقارير الدولية كإنجاز تاريخي، لكن الجرأة تقتضي أن نسأل عن قيمة “بطاقة التأمين” في جيب مواطن يجد أبواب المستشفيات العمومية موصدة بسبب نقص الأطر والتجهيزات، أو يضطر لبيع أثاث بيته لتغطية “فارق السعر” في المصحات الخاصة.
فالصمود الاجتماعي لا يُبنى بالانخراطات الورقية، بل بالقدرة على العلاج بكرامة، وحصر النجاح في “التعميم الكمي” ليس سوى هروب إلى الأمام وتغطية للشمس بغربال الجودة المفقودة.
وعندما يتحدث رئيس المجلس عن “الدولة الاجتماعية” من الجيل الجديد، لا يمكن إغفال حقيقة أن “الدعم الاجتماعي المباشر”، في ظل تآكل القدرة الشرائية غير المسبوق، يبدو لكثير من الأسر وكأنه “مسكن آلام” لجسد يعاني من كسور عميقة.
فالسياسات التي تتباهى بمنح الدراهمات هي نفسها التي تعجز عن كبح جماح لوبيات الأسعار، والعدالة التي لا توفر شغلاً قارًا وكرامة اقتصادية تظل مجرد “شبكة أمان” مهترئة تمنع السقوط في القاع، لكنها لا تمنح القدرة على النهوض.
هذا الاعتراف المؤسساتي بوجود “تحديات حقيقية” وبالحاجة إلى نموذج وطني متكامل، وإن بدا شجاعًا في ظاهره، هو في العمق إقرار بـ الاختلال الهيكلي في التنسيق بين القطاعات؛ فما جدوى دعم مالي تبتلعه فواتير التعليم الخصوصي والخدمات الأساسية؟ لقد تحولت “التقائية السياسات” في المغرب إلى لازمة خطابية تُستحضر في كل منتدى، بينما يؤكد الواقع أن كل قطاع يشتغل في جزر معزولة، والمواطن وحده من يؤدي كلفة هذا التشتت.
إن الصمود الذي يحتاجه المغرب اليوم ليس صمود الجداول الإحصائية أمام المؤسسات الدولية، بل صمود الأسرة المغربية في مواجهة “غول” الهشاشة.
والرهان الحقيقي يكمن في امتلاك الجرأة للقول إن إصلاح الحماية الاجتماعية قد يتحول إلى عبء ثقيل إذا لم يواكبه إصلاح ضريبي عادل يفرض مساهمة حقيقية على الثروات الكبرى، ويُقابَل بمحاربة جدية للفساد والريع قبل الاكتفاء بتوزيع فتات الدعم.
فخطاب اعمارة، رغم ذكائه التشخيصي، يظل مفتقرًا إلى حرارة الواقع؛ لأن العدالة الاجتماعية ليست ورشًا مفتوحًا إلى ما لا نهاية، بل استعجالًا لا ينتظر بلاغات مؤسساتية لا تطعم جائعًا ولا تشفي مريضًا.
