بينما تستعيد الموارد المائية عافيتها مع تحسن منسوب السدود، صادق المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب – قطاع الماء – على صفقة كراء طويل الأمد بقيمة 22 مليون و636 ألف درهم لتوفير 123 مركبة موجهة لدعم التدخلات الميدانية.
القرار يفتح نقاشاً مشروعاً حول نموذج التدبير المعتمد: هل يمثل خيار الكراء حلاً عملياً لتعزيز الجاهزية التشغيلية، أم أنه صيغة مكلفة مقارنة باقتناء الأصول بشكل مباشر؟
المعطيات الرقمية تشير إلى أن متوسط الكلفة الإجمالية للمركبة الواحدة يناهز 184 ألف درهم طيلة مدة العقد.
غير أن تقييم هذا الرقم يظل رهيناً بعناصر أساسية، من بينها مدة الكراء، وتكاليف الصيانة والتأمين المدمجة ضمن الصفقة، ومقارنتها بالكلفة الشاملة للشراء والتدبير الداخلي للحظيرة التقنية.
تفكيك بنية الأسطول يظهر أن الجزء الأكبر منه موجه بوضوح للمهام الميدانية: 59 سيارة من فئة “الفورغونيت” لنقل المعدات، و16 مركبة Pick-up للتدخلات التقنية، إضافة إلى سيارات مخصصة للتنقل بين المواقع.
غير أن إدراج 9 سيارات متعددة الاستعمال (SUV) و15 سيارة صالون من النوع الأول يطرح تساؤلات حول طبيعة الاستخدام المقصود، خاصة في ظل الحاجة إلى ترشيد النفقات وتعزيز الأولويات الاستثمارية.
كما يتضمن الأسطول 11 مركبة هجينة، وهو خيار قد يعكس توجهاً نحو تقليص البصمة الكربونية، غير أن فعاليته البيئية والاقتصادية تبقى رهينة بطريقة الاستعمال وطبيعة المسارات اليومية المعتمدة.
أما بند تكوين 70 موظفاً على القيادة الآمنة، فيندرج ضمن معايير السلامة المهنية، لكنه يستدعي بدوره وضوحاً حول مدى إدماجه ضمن كلفة الصفقة الإجمالية.
جوهر النقاش لا يرتبط بملكية المركبات بقدر ما يرتبط بمؤشرات الأداء: هل سيساهم هذا الاستثمار في تقليص زمن الاستجابة للأعطاب؟ هل سيحسن جودة الصيانة في المناطق ذات التضاريس الصعبة؟ وهل سينعكس فعلياً على استمرارية تزويد المواطنين بالماء دون انقطاعات؟
الحكامة في مثل هذه الصفقات لا تقاس بحداثة الأسطول، بل بقدرة المؤسسة على تحقيق توازن دقيق بين الكلفة والنجاعة والشفافية. وإذا نجح نموذج الكراء طويل الأمد في ضمان جاهزية مستمرة دون أعباء استثمارية ثقيلة، فسيكون خياراً تدبيرياً مبرراً.
أما إذا لم يترجم إلى تحسن ملموس في الخدمة، فسيبقى محل نقاش مشروع حول أولويات الإنفاق داخل قطاع حيوي يرتبط مباشرة بالأمن المائي والتنمية المستدامة.
الرهان إذن ليس في توقيع عقد بقيمة 22 مليون درهم، بل في تحويل هذا الاستثمار إلى قيمة مضافة حقيقية يشعر بها المواطن عند أول عطب، وأول تدخل، وأول قطرة ماء تصل في وقتها.
