أصدرت المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء، اليوم الجمعة 27 فبراير 2026، حكماً بعدم قبول العرض الاستثماري الإماراتي الرامي إلى الاستحواذ على أصول شركة “سامير” وإعادة تشغيلها.
القرار أسقط عرضاً بقيمة 3.5 مليارات دولار، وأعاد ملف المصفاة إلى مربع الانتظار بعد قرابة عقد من التوقف.
الحدث قضائي في شكله، لكنه اقتصادي واستراتيجي في عمقه.
فإذا كان العرض يفوق القيمة المرجعية المحددة سابقاً، فكيف انتهى إلى “عدم القبول”؟ هل يعود السبب إلى نقص في الضمانات البنكية؟ إلى شروط تمويل غير مكتملة؟ إلى تعقيدات مرتبطة بترتيب ديون تتجاوز 40 مليار درهم؟ أم إلى اعتبارات قانونية متصلة بالنزاع الدولي القائم مع المستثمر السابق؟ الرقم وحده لم يحسم، وهذا ما يفتح الباب أمام أسئلة أوسع من مجرد مسطرة قضائية.
من المستفيد من عدم قبول العرض؟ هل هم الدائنون الذين قد يرون أن شروط السداد لم تكن كافية؟ هل بعض الفاعلين في سوق استيراد المحروقات الذين استقر نموذجهم الاقتصادي منذ 2015 على غياب التكرير المحلي؟ هل شركات طورت بنيتها اللوجستية على أساس الاستيراد الكامل وأصبح من الصعب إعادة هندسة السوق من جديد؟ هل هناك أطراف ترى أن إعادة تشغيل المصفاة ستعيد توزيع الحصص داخل سوق حساس واستراتيجي؟
منذ توقف وحدات التكرير بالمحمدية، أصبح المغرب يعتمد بنسبة 100% على استيراد الوقود المكرر. خلال عشر سنوات تشكل واقع اقتصادي جديد قائم على التخزين والاستيراد والتوزيع.
فهل عودة “سامير” كانت ستربك هذا التوازن؟ هل كانت ستؤثر على بنية الأسعار وهوامش الربح؟ هل كانت ستعزز قدرة الدولة التفاوضية في سوق الطاقة؟ أم كانت ستفرض إعادة تموضع صعبة داخل منظومة تشكلت فعلياً بدون تكرير؟
هنا يتجاوز النقاش حدود السوق إلى مفهوم أعمق: ما معنى “السيادة الطاقية” في السياق المغربي؟ هل تعني إنتاج كل المشتقات داخلياً؟ أم تعني امتلاك حد أدنى من القدرة التكريرية يمنح هامش مناورة في أوقات الأزمات؟ أم أنها تقوم على تنويع الموردين وتدبير المخزون الاستراتيجي بكفاءة عالية؟ إذا كانت السيادة تُقاس بقدرة الدولة على التحكم في سلاسل التوريد وتقليص الارتهان للخارج، فإن غياب التكرير يطرح سؤالاً حول موقع المغرب في معادلة الأمن الطاقي الإقليمي، خاصة في ظل اضطرابات جيوسياسية متكررة تمس طرق الإمداد العالمية.
في حال وقوع أزمة إمداد مفاجئة، هل يكفي التخزين دون قدرة معالجة محلية؟ وهل يمنح نموذج الاستيراد الكامل نفس هامش المرونة الذي يمنحه وجود وحدات تكرير وطنية؟ دول عديدة، حتى المنفتحة اقتصادياً، تحافظ على حد أدنى من قدراتها التكريرية ليس فقط لأسباب تجارية، بل لأسباب استراتيجية.
فهل قرار اليوم يعكس تحولاً هادئاً في فلسفة تدبير الطاقة بالمغرب، من منطق الإنتاج الصناعي إلى منطق الوساطة اللوجستية؟
هنا يبرز سؤال السياسة الاقتصادية.
هل يتجه الخيار الوطني نحو إعادة بناء الصناعات الثقيلة ذات الطابع الاستراتيجي؟ أم أن التوجه يميل إلى نموذج أكثر اعتماداً على اللوجستيك والاستيراد؟ هل التكرير ما زال يُنظر إليه كحلقة سيادية ضرورية في منظومة الطاقة؟ أم أن التحول العالمي نحو الطاقات المتجددة يجعل الاستثمار في مصفاة تقليدية أقل أولوية في الحسابات طويلة المدى؟
إذا كان العرض يفوق التقييم المرجعي، فهل كان الرفض تقنياً صرفاً؟ أم أن معايير القبول أصبحت أكثر تشدداً بفعل اعتبارات استراتيجية؟ هل لعب عامل النزاعات الدولية والتحكيم دوراً في رفع منسوب الحذر؟ هل هناك تخوف من التزامات مالية مستقبلية قد تثقل أي عملية تفويت؟
في الأنظمة الاقتصادية المعقدة، القرارات الكبرى لا تُقرأ فقط بمنطق القانون، بل أيضاً بمنطق توازن المصالح.
فهل استمرار التصفية يخدم تصوراً اقتصادياً معيناً يعتبر أن المغرب يمكن أن يكون منصة تخزين وتوزيع إقليمية بدل بلد تكرير؟ هل هناك من يرى أن كلفة تحديث المصفاة لتلائم المعايير البيئية الدولية تجعل المشروع أكثر تعقيداً مما تبدو عليه الأرقام؟
ثم سؤال الزمن.
من يستفيد من إطالة أمد التصفية؟ هل كل سنة إضافية تقلص من القيمة الصناعية للأصول وتزيد من كلفة إعادة التشغيل؟ أم أن مرور الوقت قد يعيد تشكيل شروط التفاوض مستقبلاً ويجعل شروط التفويت مختلفة؟
عدم قبول العرض لا يغلق الملف، لكنه يعيد طرح سؤال مركزي يتجاوز الجانب القضائي.
هل “سامير” مجرد شركة متعثرة تبحث عن مشترٍ؟ أم أنها اختبار فعلي للسياسة الطاقية والاقتصادية المغربية في العقد المقبل؟
3.5 مليارات دولار لم تمر.
لكن السؤال الذي بقي معلقاً ليس رقمياً فقط، بل استراتيجياً بامتياز: هل تراجع حلم التكرير كخيار سيادي، أم أن مفهوم “السيادة الطاقية” نفسه يُعاد تعريفه اليوم بين منطق الاستيراد واعتبارات السوق؟
