أعادت المفوضية الأوروبية، اليوم 5 يونيو 2026، ملف الصيد البحري إلى واجهة النقاش، بعد نشر وثيقتها السنوية حول وضع الصيد المستدام وتوجيهات فرص الصيد لسنة 2027، في سياق يتسم بتزايد الضغط على الموارد البحرية داخل عدد من المناطق، خصوصاً في شمال شرق الأطلسي وغرب المتوسط.
ورغم أن الوثيقة ذات طابع تقني وبيئي، فإنها تعيد، بشكل غير مباشر، إلى الواجهة وضع اتفاق الصيد بين المغرب والاتحاد الأوروبي، خاصة أن آخر بروتوكول بين الطرفين انتهى يوم 17 يوليوز 2023، بينما تصنف المفوضية الأوروبية الاتفاق حالياً ضمن خانة الاتفاق الخامل.
هذا الوضع يعني أن الأسطول الأوروبي لا يستطيع الصيد حالياً في المياه المغربية، في غياب بروتوكول نشط يحدد قواعد المصيد والمساهمات وشروط الاستغلال. وهو معطى يجعل الملف أكبر من نقاش إداري بين مؤسسات، لأنه يرتبط مباشرة بالسيادة الاقتصادية وبحماية الثروة البحرية الوطنية.
بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر فقط بعودة سفن أوروبية إلى مياهه مقابل مساهمات مالية. المرحلة الحالية تفرض نقاشاً أوسع حول طبيعة أي اتفاق مستقبلي، ومدى قدرته على خدمة التنمية المحلية، وحماية المخزون السمكي، وضمان استفادة أوضح للاقتصاد الوطني والمناطق الساحلية.
ويطرح ملف الصيد البحري أيضاً سؤال الحكامة. فالثروة البحرية ليست مورداً بلا حدود، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الرخص فقط. أي شراكة جديدة يفترض أن تقوم على توازن واضح بين الاستغلال الاقتصادي، والاستدامة البيئية، ومصلحة البحارة، والقدرة الشرائية للمواطن.
من جهة أخرى، يعرف الاتحاد الأوروبي أهمية المياه المغربية بالنسبة لجزء من أساطيله، خصوصاً بعد توقف العمل بالبروتوكول السابق. وهذا يمنح المغرب هامشاً تفاوضياً مهماً، شريطة أن يتم تدبيره بمنطق استراتيجي، لا بمنطق تقني محدود.
الاتفاق الخامل لا يعني نهاية الشراكة بين الرباط وبروكسيل، لكنه يضعها في مرحلة انتظار حساسة. وهي مرحلة تحتاج إلى وضوح في الأهداف، وإلى تصور جديد يجعل البحر جزءاً من السيادة الاقتصادية، لا مجرد بند في تفاوض مالي موسمي.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم هو كيف يمكن للمغرب أن يحمي ثروته البحرية، ويحولها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية، بدل أن تبقى ملفاً معلقاً بين حسابات بروكسيل وانتظارات المواطن المغربي.
