بقلم: الباز عبدالإله
لا يزال خطاب “فك العزلة” عن العالم القروي في المغرب يراوح مكانه بين أرقام رسمية “وردية” وواقع مرير يصفع المسافر في أعماق المداشر.
إن تحول النقاش من الشق التقني إلى سؤال التنمية والعدالة المجالية ليس ترفاً فكرياً، بل هو تعرية صريحة لاختلالات سياسات عمومية استمرت لعقود في التعامل مع “الدوار” كملحق هامشي، لا كقلب نابض في جسد الدولة.
فحين يرهن وصول تلميذ إلى مدرسته أو مريض إلى مستعجلاته بجودة مسلك غير مصنف أو وسيلة نقل غير مهيكلة، فنحن لا نتحدث عن بنية تحتية فقط، بل عن مساس عميق بتكافؤ الفرص.
كشفت مخرجات رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي قُدّم اليوم الأربعاء خلال لقاء تواصلي بالرباط، عن وعي مؤسساتي متزايد بضرورة إرساء مخطط مندمج ومستدام للنقل القروي، يعيد تموقع “الدوار” كوحدة ترابية مرجعية، ويضمن ربط الساكنة بالخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية.
غير أن هذا التوجه، رغم أهميته، يطرح سؤالاً هادئاً لكنه حاسم: هل يتعلق الأمر بنقص في التصور، أم بتعثر في التنفيذ؟
إن هذه المخرجات، رغم وجاهتها، تظل مهددة بأن تبقى حبيسة “التشخيص المتكرر”.
فما جدوى الدعوة إلى تحديث البنيات التحتية، وتأهيل النقل المزدوج، وتعزيز السلامة الطرقية، إذا كانت هذه التوصيات ستنضم إلى أرشيف التقارير التي تشخّص الوجع أكثر مما تداويه؟ الإشكالية لم تعد في “نقص التصور”، بل في عقم التنفيذ وتشتت المسؤولية بين قطاعات وزارية ومجالس منتخبة، حيث تتحول السياسات إلى مسارات متوازية بدل أن تكون رؤية مندمجة.
الأرقام التي تُقدَّم باعتبارها مؤشراً على التقدم، وعلى رأسها بلوغ نسبة ولوج إلى الطرق القروية في حدود 81% سنة 2022، تظل أرقاماً نسبية في دلالتها؛ فهي تقيس “وجود” الطريق ولا تقيس “ديمومتها”.
إننا أمام نموذج إنجاز يفتقر إلى الاستمرارية، حيث تتحول بعض المسالك، بفعل غياب الصيانة الدورية، إلى بنى هشة سرعان ما تتدهور مع أولى التقلبات المناخية.
وبذلك، يصبح الولوج في كثير من الحالات ظرفياً، لا يعكس حقاً مستقراً بقدر ما يعكس هشاشة في تدبير الاستثمارات.
وعند التوقف عند ملف “النقل المزدوج”، يبرز تعقيد آخر مرتبط بطبيعة هذا القطاع، الذي يجمع بين الحاجة الاجتماعية والإكراهات التنظيمية.
فأسطول قديم، وتغطية محدودة، وشروط سلامة متفاوتة، كلها عناصر تجعل من هذا النمط من النقل مجالاً يحتاج إلى إعادة هيكلة عميقة، في إطار يوازن بين متطلبات الخدمة العمومية وضرورة التأطير المهني.
وفي هذا السياق، يظل الحديث عن الرقمنة أو إدماج الطاقات المتجددة رهيناً بمدى توفر شروط أساسية أكثر إلحاحاً، تتعلق بالتنظيم، والتمويل، والاستدامة.
إن هذا الهدر المستمر للفرص التنموية يضع المجالس الجماعية والجهات أمام مرآة مسؤوليتها التدبيرية؛ فالأمر لم يعد يتعلق فقط بخصاص في الميزانيات، بقدر ما يرتبط ببوصلة الأولويات.
فكيف تستقيم خطابات الرقمنة والذكاء الاصطناعي مع واقع تلميذ يقطع الكيلومترات مشياً في مسالك وعرة؟ إن الاستمرار في إنتاج تقارير تُشخّص الأعطاب دون تفعيل آليات التتبع والمساءلة بشأن تعثر المشاريع، يكرّس عملياً مظاهر العزلة بدل معالجتها.
إن العدالة المجالية لا يمكن اختزالها في عدد الكيلومترات المعبدة التي تُعلن في التقارير الرسمية، بل تُقاس بمدى قدرة تلك الكيلومترات على تقليص المسافة بين المواطن وحقوقه الأساسية.
فالرهان لم يعد في إطلاق برامج ظرفية لفك العزلة، بل في ترسيخ استمرارية الربط كخيار استراتيجي دائم.
وبين تعدد التوصيات وتراكم التشخيصات، يظل التحدي الحقيقي قائماً في الانتقال من منطق “المغرب النافع” و”المغرب المنسي” إلى رؤية موحدة تجعل من العدالة المجالية ممارسة يومية، لا مجرد شعار مؤجل.
لأن الطريق، في نهاية المطاف، ليست مجرد مسار معبّد، بل اختبار فعلي لقدرة الدولة على تحقيق الإنصاف بين مجالاتها ومواطنيها.
