بقلم: الباز عبدالإله
أعاد الجدل الدائر حول تعيين مهدي يسف مديراً إقليمياً للصناعة التقليدية بكل من الجديدة وسيدي بنور، من طرف لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالقطاع، فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية داخل الإدارة العمومية: هل ما زالت مناصب المسؤولية تخضع لمنطق التدرج والكفاءة والاستحقاق، أم أن بعض التعيينات أصبحت تتحرك بسرعة أكبر من المسطرة نفسها؟
المعطيات التي نشرها موقع “24 ساعة” تحدثت عن احتمال اصطدام هذا التعيين بتأشيرة الخازن الوزاري، بسبب ما اعتبره الموقع خروقات مرتبطة بمرسوم التعيين في مناصب المسؤولية، خصوصاً شرط الأقدمية والترسيم. كما سبق لموقع “نيشان” أن أثار الملف نفسه، متحدثاً عن تعيين مسؤول حزبي شاب في منصب مدير إقليمي بعد تجربة إدارية محدودة لا تتجاوز سنة واحدة.
القضية هنا لا تتعلق بالانتماء السياسي في حد ذاته. فالانتماء الحزبي ليس تهمة، ولا يمكن أن يتحول إلى مانع قانوني من تحمل المسؤولية. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يصبح السؤال: هل احترمت الإدارة الشروط القانونية التي وضعها المرسوم رقم 2.11.681 المتعلق بكيفيات تعيين رؤساء الأقسام ورؤساء المصالح بالإدارات العمومية؟
هذا المرسوم ليس تفصيلاً إدارياً صغيراً. فهو واحد من النصوص المؤطرة لمناصب المسؤولية داخل الإدارات العمومية، ويقوم على فلسفة واضحة: ربط المسؤولية بالكفاءة، وإخضاع التعيين لمسطرة الترشيح والانتقاء، بدل تحويل مناصب التدبير إلى قرارات فوقية لا يعرف الرأي العام ولا الموظفون كيف وُلدت.
جوهر الملف يوجد في المادة 5 من المرسوم رقم 2.11.681. فهذه المادة تشترط، بالنسبة للترشح لمهام رئيس مصلحة، أن يكون المرشح موظفاً مرسماً أو عوناً متعاقداً، وأن يتوفر، على الأقل، على سنتين من الخدمة الفعلية بصفة مرسم، أو ثلاث سنوات بالنسبة للأعوان المتعاقدين بإدارات الدولة والجماعات الترابية.
وإذا كان منصب المدير الإقليمي يدخل، تنظيمياً، ضمن مناصب المسؤولية الخاضعة لنفس المنطق المؤطر لرؤساء المصالح داخل المصالح اللاممركزة، فإن شرط الأقدمية يصبح حاضراً بقوة في تقييم سلامة هذا التعيين.
هنا يظهر السؤال الثقيل: إذا كانت المعطيات المتداولة صحيحة، وإذا كان المعني بالأمر لم يمضِ على ولوجه الوظيفة العمومية سوى سنة واحدة، فكيف أمكن الانتقال من وضعية موظف حديث العهد بالإدارة إلى مسؤولية إقليمية يفترض أن تقوم على تراكم إداري وميداني؟
المسألة تصبح أكثر دقة عندما نعود إلى النظام الأساسي الخاص بهيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات. فـالمادة 15 من المرسوم رقم 2.06.377 تنص على أن المتصرفين المعينين بعد النجاح في المباراة يعينون متمرنين، ولا يجوز ترسيمهم إلا بعد قضاء سنة كاملة من التمرين، قابلة للتمديد مرة واحدة.
بمعنى آخر، القول إن الترسيم لا يكون إلا بعد سنتين ليس دقيقاً دائماً؛ فالأصل هو سنة تمرين قابلة للتمديد. لكن هذا التوضيح لا ينهي الإشكال، بل يعمقه. لأن المادة 5 من مرسوم مناصب المسؤولية لا تكتفي بشرط الترسيم، بل تتحدث بوضوح عن سنتين من الخدمة الفعلية بصفة مرسم.
وبالتالي، إذا كان الموظف لم يمضِ إلا سنة واحدة منذ ولوجه الإدارة، يصعب منطقياً وقانونياً تصور أنه راكم سنتين من الخدمة الفعلية بعد الترسيم.
أما الاستثناء الذي قد تلجأ إليه الإدارة، فهو ليس باباً مفتوحاً على المزاج أو الاختيار الحر.
فـالمادة 8 من نفس المرسوم تسمح بقبول مترشحين لا يتوفرون على الأقدمية المطلوبة فقط في حالة محددة: إذا لم يتقدم أي مترشح مستوفٍ لشرط الأقدمية، أو لم يتم انتقاء أي مترشح من طرف لجنة الانتقاء، حينها يمكن لرئيس الإدارة أن يصدر إعلاناً ثانياً، وفق نفس الكيفيات والشروط، يسمح بصفة استثنائية بقبول مترشحين بأقدمية أقل.
وهنا تصبح الأسئلة مشروعة جداً: هل صدر إعلان أول؟ هل تقدم مترشحون مستوفون لشروط الأقدمية؟ هل رفضت لجنة الانتقاء جميع الترشيحات؟ هل صدر إعلان ثانٍ يفتح الباب للاستثناء؟ وهل تم ترتيب المترشحين وفق الكفاءة والاستحقاق كما يفرض القانون؟
هذه ليست أسئلة سياسية فقط، بل أسئلة مسطرية يمكن للوثائق أن تجيب عنها بوضوح.
فـالمادة 6 من المرسوم نفسه تلزم الإدارة بالإعلان عن المناصب الشاغرة وفتح باب الترشيح بقرار يحدد اسم المنصب، مهامه، الكفاءات المطلوبة، أجل إيداع الترشيحات، ومحتويات الملف، مع نشر القرار عبر بوابة الخدمات العمومية والموقع الإلكتروني للإدارة المعنية.
كما أن المادة 10 تتحدث عن تقرير نهائي للجنة الانتقاء يتضمن أسماء المترشحين الذين تم انتقاؤهم، مرتبين حسب الاستحقاق، قبل المصادقة على النتائج ونشرها.
لذلك، فإن أقصر طريق أمام كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية ليس الصمت، ولا ترك الملف يتضخم في مواقع التواصل، بل نشر ما يثبت سلامة المسطرة: إعلان المنصب، محضر لجنة الانتقاء، ترتيب المترشحين، الوضعية الإدارية للمعني بالأمر، وهل تم اللجوء فعلاً إلى إعلان ثان وفق المادة 8 أم لا.
في دولة المؤسسات، لا يكفي أن يكون القرار ممكناً سياسياً؛ يجب أن يكون مقنعاً قانونياً. ولا يكفي أن تقول الإدارة إنها اختارت كفاءة، بل عليها أن تثبت أن الاختيار مر من نفس الباب الذي يدخل منه باقي الموظفين. فمناصب المسؤولية ليست جوائز تنظيمية، ولا ترقيات سريعة خارج الزمن الإداري، بل مسؤوليات مؤطرة بالقانون، تبدأ من الإعلان، وتمر عبر الانتقاء، وتنتهي بالتأشير.
وإذا كانت الخزينة العامة للمملكة تضطلع بمراقبة انتظام الالتزامات المتعلقة بنفقات الدولة، فإن الحديث عن احتمال تعثر التأشير ليس تفصيلاً تقنياً، بل إشارة إلى أن المسطرة الإدارية قد تتحول إلى امتحان قانوني حقيقي.
الخلاصة أن تعيين مهدي يسف، كما ورد في المعطيات المتداولة إعلامياً، يضع كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية أمام سؤال واضح: إما أن تثبت أن المسطرة احترمت المرسوم رقم 2.11.681، بما في ذلك شروط الأقدمية والترسيم والاستثناء، أو تترك الانطباع بأن الإدارة العمومية أصبحت تعرف طريقاً مختصراً للبعض، وطريقاً طويلاً لباقي الموظفين.
وفي الحالتين، لم يعد الملف مجرد تعيين إقليمي.
لقد تحول إلى اختبار صغير لمعنى كبير: هل القانون هو الذي يفتح أبواب المسؤولية، أم أن المسؤولية أحياناً تصل قبل أن يكتمل الطريق القانوني إليها؟
