بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن كلمة عبد الإله ابن كيران، أمس الجمعة، خلال الملتقى الوطني للفضاء المغربي للمهنيين بالمركب الثقافي الحي المحمدي بالدار البيضاء، مجرد خطاب عابر في لقاء تنظيمي.
فقد اختار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية: وضعية المهنيين، والتجار الصغار، والحرفيين، والمقاولين الذاتيين، وسط اقتصاد يزداد اتساعاً أمام الكبار، وضيقاً على من يبدأ من الصفر.
تحدث ابن كيران بنبرة حادة عن الضغط الضريبي، وعن “مول الحانوت”، وعن المقاول الصغير الذي لا يبدأ مشروعه بالملايير، بل بما تيسر له من جهد وعرق ورأس مال بسيط.
وانتقد منطقاً يتعامل مع فئات ما زالت في بداية الطريق، وكأنها راكمت ثروات كبرى، داعياً، في مضمون كلامه، إلى ترك الناس يتنفسون قبل تحميلهم أعباء تفوق طاقتهم.
هذا الكلام لامس جرحاً حقيقياً، لأن فئات واسعة من المهنيين تعيش اليوم بين ضعف الهامش، وتعقيد الإدارة، وصعوبة التمويل، وتنامي منافسة غير متكافئة مع السلاسل الكبرى وأصحاب الرساميل.
غير أن قوة الخطاب لا تعفي صاحبه من السؤال: هل كان ابن كيران خارج هذا الجرح، أم أن جزءاً منه بدأ في عهده؟
فالرجل نفسه كان رئيساً للحكومة، وهذه الفئة لم تظهر اليوم فجأة.
“مول الحانوت” كان يعاني أيضاً في تلك المرحلة، والحرفي كان يصارع الإدارة والضرائب، والمقاول الصغير كان ينتظر سياسة عمومية تحميه فعلاً، لا وعوداً تستحضره كلما اقتربت السياسة من صناديق الاقتراع.
صحيح أن نظام المقاول الذاتي خرج في زمن حكومة ابن كيران، وقُدّم آنذاك كمدخل لتشجيع المبادرة وإدماج جزء من الاقتصاد غير المهيكل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كان هذا النظام طوق نجاة حقيقياً للصغار، أم إطاراً جميلاً على الورق، تُرك لاحقاً ليغرق وسط الضرائب، والتعقيدات، وضعف المواكبة؟
لذلك، لا يكفي أن تتحول كلمة ابن كيران إلى لحظة تصفيق سياسي، ولا يكفي أيضاً أن يُرد عليها بمنطق الدفاع الأعمى عن الحكومة الحالية.
القضية أكبر من ابن كيران وأخنوش معاً، لأنها تتعلق بفئة واسعة تحمل جزءاً كبيراً من الاقتصاد اليومي للمغاربة، لكنها غالباً ما تبقى خارج مركز القرار.
المهنيون لا يحتاجون إلى من يبكي عليهم في المنصات، ولا إلى من يتذكرهم قرب الانتخابات.
يحتاجون إلى جباية عادلة، وإدارة مبسطة، وتمويل قابل للوصول، وحماية من المنافسة غير المتكافئة، وتغطية اجتماعية لا تتحول إلى عبء إضافي فوق هشاشتهم.
ابن كيران وضع يده على جرح حقيقي، لكنه ليس خارج المحاسبة.
والحكومة الحالية لا يمكنها بدورها أن تختبئ وراء أخطاء من سبقها.
وبين من حكم بالأمس، ومن يحكم اليوم، يبقى “مول الحانوت” واقفاً في الوسط، ويسأل سؤالاً بسيطاً:
من منكم أنصفنا فعلاً… لا في الخطاب، بل في الواقع؟
