بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن المقال الجماعي الذي وقعه 21 سفيراً وقائماً بالأعمال من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بالمغرب، بمناسبة يوم أوروبا 2026، مجرد نص احتفالي عابر. فاللغة التي استُعملت فيه، والملفات التي توقف عندها، تكشف أن العلاقة بين الرباط وبروكسيل لم تعد محصورة في المجاملات الدبلوماسية، ولا في تدبير الأزمات الظرفية، بل دخلت مرحلة أكثر وضوحاً، عنوانها: الشراكة الاستراتيجية.
النص الأوروبي وصف المغرب بأنه شريك “لا غنى عنه” في الجوار الجنوبي للاتحاد.
وهذه العبارة، حين تأتي موقعة من هذا العدد من السفراء الأوروبيين، لا تبدو تفصيلاً لغوياً، إنها تعكس تقديراً لموقع المغرب في معادلات المتوسط، والهجرة، والطاقة، والأمن، والاستثمار، والاستقرار الإقليمي.
المثير أن هذه الرسالة جاءت في سياق دولي مرتبك.
أوروبا تتحدث عن الحرب في أوكرانيا، وعن توترات الشرق الأوسط، وعن الممرات التجارية المهددة، وعن تراجع احترام القانون الدولي. وسط كل ذلك، يظهر المغرب في الخطاب الأوروبي كبلد مستقر، يمكن البناء معه، لا مجرد جار تُستدعى خدماته عند الحاجة.
اللافت أيضاً أن المقال الأوروبي لم يقدم المغرب فقط كشريك تجاري. تحدث عن دوره في “ميثاق من أجل المتوسط”، وعن احتضانه اجتماعاً رفيع المستوى في الرباط، وعن التعاون في الشباب، والتنقل، والاقتصاد الأخضر، والرقمنة، وتدبير الهجرة.
بمعنى آخر، نحن أمام تصور أوروبي يعتبر المغرب جزءاً من هندسة جديدة للمتوسط، وليس مجرد بلد على هامشه.
الأرقام التي وردت في النص تقول الكثير. الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول للمغرب، وحجم المبادلات بين الطرفين تضاعف خمس مرات منذ سنة 2000.
كما أن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء يشكلون أول مستثمر أجنبي في المملكة. هذه ليست عبارات بروتوكولية، بل مصالح قائمة، وشبكة اقتصادية وسياسية تجعل كل طرف محتاجاً إلى الآخر.
هنا بالضبط تظهر قيمة المغرب الجديدة.
فالمملكة لم تعد فقط قريبة من أوروبا جغرافياً، بل صارت مفيدة لها استراتيجياً. وهذا فرق كبير. القرب يصنع علاقة، أما الحاجة المتبادلة فتصنع وزناً تفاوضياً.
غير أن أهمية هذا الاعتراف لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية الخارج.
صحيح أن بروكسيل تنظر إلى الرباط كشريك مهم في ملفات الأمن، والهجرة، والطاقة، والساحل، وإفريقيا، لكن السؤال الداخلي يبقى قائماً: كيف يمكن تحويل هذا الموقع إلى مكاسب ملموسة داخل المغرب؟
فالشراكات الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الاجتماعات، ولا بجودة العبارات الدبلوماسية، بل بقدرتها على إنتاج أثر حقيقي: فرص شغل، ونقل خبرة، ودعم للمقاولات، وتكوين للشباب، وتحسين للخدمات.
المواطن لا يهمه كثيراً أن يكون المغرب شريكاً استراتيجياً في الوثائق، إذا لم يشعر بأن هذه الشراكة تفتح له باباً في سوق الشغل، أو تحسن وضعية منطقته، أو تدعم قدرة بلده على إنتاج قيمة مضافة.
وهنا تحتاج الرباط إلى استثمار هذا الاعتراف الأوروبي بذكاء. فحين تعتبر أوروبا المغرب شريكاً لا يمكن تجاوزه، فهذا يمنح المملكة هامشاً أكبر في التفاوض، وفي الدفاع عن مصالحها، وفي ربط الشراكة بالنتائج لا بالشعارات.
كما أن الرسالة الأوروبية تحمل، في العمق، رداً غير مباشر على من يحاول اختزال المغرب في ملفات الخلاف أو الضغط.
فالمغرب الذي تصفه أوروبا اليوم كشريك استراتيجي، هو نفسه المغرب الذي يراكم حضوراً في إفريقيا، ويتحرك في ملفات الطاقة، ويحافظ على موقعه في معادلة الأمن والهجرة، ويفرض نفسه كجسر بين الشمال والجنوب.
لكن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في أن يعترف الآخرون بأهمية المغرب.
القوة هي أن يعرف المغرب كيف يحول هذا الاعتراف إلى مشروع وطني واضح، يخدم الاقتصاد، ويقوي السيادة، ويمنح المواطنين نصيبهم من ثمار الشراكات الدولية.
ما وقعه السفراء الأوروبيون ليس مجرد تهنئة بمناسبة يوم أوروبا. إنه إعلان بلغة هادئة أن المغرب صار رقماً صعباً في معادلة المتوسط.
غير أن التحدي الأكبر يبدأ من هنا: ألا يبقى هذا الاعتراف حبيس صالونات بروكسيل والرباط، بل أن يتحول إلى استثمار، وشغل، وتكوين، وتنمية يشعر بها المواطن داخل المغرب.
