قراءة في اختلالات تنظيم قطاع سيارات الأجرة بين النص والتطبيق
بقلم: مراد مجاهد
في مدينةٍ تعرف قوانينها أكثر مما تُفَعِّلها، يبدو المشهد كأن النص قد أدى واجبه كاملًا ثم انسحب بهدوء، تاركًا الشارع يتدبر أمره بطريقته الخاصة.
لا أحد هنا ينكر وجود القاعدة ولا أحد يحتاج إلى إعادة شرحها، فكل شيء كُتب بدقة: من يشتغل، وكيف يشتغل، وأين يقف، وإلى أين يذهب، في مرفقٍ يفترض أن يُدار بالدور والمسار والمحطة، لا بالاجتهاد الفردي ولا بمنطق من يصل أولًا يفرض قاعدته.
ومع ذلك، تتحرك الحياة في مسارٍ موازٍ؛ مسارٍ لا يعادي القانون صراحةً ولا يلتزم به تمامًا، بل يلتف حوله بمرونةٍ تُوحي أن النص ليس مرجعية يومية بقدر ما هو احتياط يُستدعى عند اللزوم.
وهنا تحديدًا تنشأ تلك المنطقة الرمادية التي لا تُرى لكنها تُحكم، حيث يتحول التنظيم من قاعدة جامعة إلى خيار فردي، وحيث يصبح الانضباط قرارًا شخصيًا لا التزامًا عامًا، فيتساوى من احترم النص مع من تجاهله من حيث النتيجة العملية.
لا لأن القانون ضعيف، بل لأن حضوره غير مكتمل؛ يُفعل حين يُراد له أن يُفعل، ويُعلّق حين يصبح عبئًا على توازنات غير معلنة، فيغدو المجال مفتوحًا لتشكُّل أعراف بديلة؛ أعراف لا تُكتب لكنها تُمارَس، لا تُصادَق عليها لكنها تُفرض بقوة الواقع.
ومع مرور الوقت، تكتسب هذه الأعراف شرعية ضمنية، لا من القانون بل من التكرار، حتى يصبح الخروج عنها أصعب من مخالفة النص نفسه.
وهنا تنقلب المعادلة بهدوء: من كان خارج القانون يصبح منسجمًا مع الواقع، ومن يتمسك بالقانون يبدو وكأنه يغرد خارج السرب.
وفي هذه المفارقة تختل العدالة دون أن تُعلن سقوطها، لأن العدالة لا تُقاس فقط بوجود النص بل بمدى تساوي الجميع أمامه، وحين يُطبَّق على البعض دون البعض، يتحول من ميزان إلى أداة فرز، وحين يُستخدم عند الخلاف أكثر مما يُستخدم في التسيير، يفقد وظيفته الوقائية ويصبح مجرد وسيلة للترجيح بعد وقوع الضرر.
وهكذا، لا تعود المشكلة في خرق القاعدة بقدر ما تصبح في اعتياد خرقها؛ ذلك الاعتياد الذي يقتل فكرة الالتزام في أصلها، لأن الإنسان لا يلتزم بما لا يرى له أثرًا في محيطه، ولا يثق في قاعدة لا تحميه حين يختار احترامها.
وفي هذا الصمت الممتد بين النص وتطبيقه تتشكل طبقة خفية من اللامساواة، طبقة لا تحتاج إلى إعلان ولا إلى تبرير، يكفيها أن تستمر، وأن تُقنع الجميع بأن ما يجري هو الطبيعي، وأن ما كُتب مجرد احتمال.
ومع ذلك، ومن باب الإنصاف الذي لا يستقيم بدونه أي نقد جاد، لا يمكن إغفال تلك الجهود اليومية التي تُبذل في مواقع محددة من هذا الجهاز، حيث يشتغل بعض المسؤولين والأطر بما تتيحه لهم الإمكانات وبما يسمح به الهامش، يشكلون استثناءً إيجابيًا حقيقيًا، أشبه بشمعة تضيء عتمةً لا يصنعونها، ويحاولون إبقاء الخيط القانوني مشدودًا وسط رياحٍ لا تهدأ. غير أن هذه النزاهة الفردية، على قيمتها، تظل في حاجة إلى بيئة تنظيمية تحميها من تغوّل الأعراف الموازية، لأن المشكلة لا تقف عند حدود الإرادة، بل فيما يتجاوزها من شبكات غير معلنة وتوازنات خفية ومصالح متقاطعة تجعل التنفيذ الكامل للنص أقرب إلى معركة صامتة منه إلى إجراء إداري بسيط.
وهنا تتضح الصورة أكثر: لسنا أمام غيابٍ تام للتطبيق، بل أمام تطبيقٍ مُجزّأ، يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، يُصيب في مواضع ويصطدم في أخرى.
وفي هذه المساحة الرمادية بالذات تجد تلك اللوبيات مجالها الحيوي؛ لا تظهر في الواجهة لكنها تُحسن التموضع في الظل، تستفيد من كل فراغ، وتستثمر كل تردد، فتجعل من الاستثناء قاعدة غير مكتوبة، ومن القاعدة خيارًا قابلًا للتأجيل، حيث لا يعود السؤال من له الحق في الانطلاق، بل من يملك القدرة على فرضه.
إلى أن يأتي وقت يُطرح فيه السؤال بصيغة أكثر حرجًا: هل نعيش تحت قانون لا يُطبق، أم تحت واقع لا يعترف بالقانون؟ وعندها فقط ندرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة ليس غياب النص، بل تحوّله إلى حضور شكلي؛ لأن القانون حين يُفرَّغ من أثره لا يختفي، بل يبقى شاهدًا صامتًا على اتساع الفجوة بين ما ينبغي أن يكون وما صار عليه الحال.
وربما لهذا بالذات، لا تبدو الحاجة اليوم في تكرار النص بقدر ما تبدو في إعادة بنائه على ضوء ما راكمته التجربة من اختلالات؛ لا هدمًا لما كان بل تطويرًا له، استنادًا إلى روح المذكرات التنظيمية التي صدرت منذ سنة 2022، والتي لم تأتِ عبثًا بل كمحاولة لإعادة ضبط الإيقاع وتصحيح المسار وربط المسؤولية بالمحاسبة وتأطير شروط الاستغلال بشكل أدق. غير أن قيمتها الحقيقية تظل رهينة بقدرتها على التحول من توجيه مركزي إلى تنزيل محلي محكم، وهو ما يفتح، بهدوء ومسؤولية، أفق التفكير في قرار عاملي تنظيمي مُحَيَّن، يصهر تلك التوجيهات في قالب منسجم مع الواقع، يغلق منافذ التأويل، ويحد من تمدد الأعراف غير المعلنة، ويعيد التوازن بين النص وتطبيقه.
إنها ليست دعوة موجهة ضد أحد، ولا اصطفافًا مع طرف، بل تعبير مشروع في إطار حرية الرأي عن حاجة موضوعية لإعادة ترتيب ما اختل، لعل النص هذه المرة لا يُترك وحيدًا… أو على الأقل، لا يُترك في مواجهة واقعٍ تعلّم طويلاً كيف يعيش بدونه.
