بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد تسجيل الاقتصاد الوطني لمعدل نمو في حدود 4,1% مجرد رقم تقني ضمن نشرات المندوبية السامية للتخطيط، بل أصبح مؤشراً يطرح تساؤلات جدية حول نموذج اقتصادي لا يزال يعتمد بشكل كبير على التقلبات المناخية.
فبينما يبرز استقرار بعض المؤشرات، يكشف التشريح الدقيق للبيانات عن معطى مقلق: النمو المسجل لا يرتكز بالقدر الكافي على دينامية إنتاجية مستقرة، بل يتأثر بشكل واضح بالعوامل المناخية.
فعندما تنخفض وتيرة نمو الأنشطة غير الفلاحية من 4,8% إلى 4%، فنحن لا نكون فقط أمام تباطؤ طفيف، بل أمام إشارة تستدعي الانتباه إلى تنافسية النسيج المقاولاتي وتراجع زخم القطاعات التي يُفترض أن تلعب دور القاطرة، كـ البناء والخدمات.
وهو ما يجعل الطلب الداخلي أقرب إلى آلية دعم ظرفية أكثر منه محركاً مستداماً للنمو، خاصة في ظل تحديات التمويل وضغط القدرة الشرائية.
إن خطورة هذا التباطؤ في الأنشطة غير الفلاحية لا تقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى سوق الشغل، حيث إن مستويات نمو من هذا القبيل تظل غير كافية لخلق فرص عمل واسعة ومستدامة.
وهو ما يجعل نسبة 4,1% أقرب إلى نمو محدود الأثر اجتماعياً، لا ينعكس بالقدر الكافي على إدماج الشباب في الدورة الاقتصادية، ويطرح تحدياً حقيقياً يتعلق بقدرة النمو الحالي على امتصاص البطالة.
إن انتعاش الفلاحة بنسبة 4,7% بعد سنة من الانكماش لا يعكس بالضرورة تحولاً هيكلياً، بقدر ما يرتبط بعوامل طبيعية.
والارتكان إلى هذا المعطى لتقييم شامل للأداء الاقتصادي قد لا يعكس الصورة الكاملة، خصوصاً في ظل محدودية قدرة القطاعات الصناعية والخدماتية على تعويض التقلبات المناخية.
فحين يتراجع المطر، يتباطأ النشاط، وحين يتحسن، تظهر مؤشرات انتعاش ظرفي، وهو ما يعكس نوعاً من الدوران داخل نفس الحلقة.
في المقابل، يطرح استمرار هذا المستوى من النمو سؤال نجاعة الاستثمارات العمومية، في ظل ضخ موارد مالية مهمة خلال السنوات الأخيرة.
إذ يظل الأثر المحقق على النمو دون الطموحات، وهو ما يفتح نقاشاً حول فعالية توجيه هذه الاستثمارات وقدرتها على خلق دينامية اقتصادية أوسع وأكثر استدامة.
هذا التباين يبرز بشكل أوضح عند مقارنة المؤشرات الماكرو-اقتصادية بالواقع اليومي للمقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، التي تواجه تحديات مرتبطة بـ التمويل، السيولة، وتراجع الطلب.
ففي الوقت الذي تعكس فيه الأرقام نوعاً من الاستقرار العام، يظل النسيج الاقتصادي في مستويات متعددة تحت ضغط مستمر، مما يبرز فجوة قائمة بين المؤشرات الإجمالية والواقع الميداني.
كما يمتد هذا النقاش إلى قراءة تطور التضخم، الذي تراجع إلى 2,7%، وهو معطى إيجابي من الناحية التقنية، غير أن أثره على القدرة الشرائية يظل محدوداً، بالنظر إلى أن استقرار الأسعار لا يعني بالضرورة تراجعها، بل فقط تباطؤ وتيرة الارتفاع.
أما على مستوى القطاع الثالثي، فإن تراجع وتيرة نموه من 5,4% إلى 4,4% يطرح بدوره تساؤلات حول دينامية خلق فرص الشغل، خاصة وأن هذا القطاع يشكل أحد أبرز روافع التشغيل.
فتباطؤ أنشطة مثل التجارة، النقل، والفندقة يعكس نوعاً من فقدان الزخم داخل الدورة الاقتصادية، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات اجتماعية مباشرة.
في ضوء هذه المعطيات، لا يتعلق النقاش فقط بمستوى النمو المحقق، بل بطبيعته وحدوده: هل نحن أمام دينامية اقتصادية قابلة للاستمرار، أم أمام توازنات ظرفية مرتبطة بعوامل خارجية؟ فالمؤشرات الحالية لا تعكس أزمة بالمعنى الحاد، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم إشارات قوية على تحول عميق.
إن الخروج من هذه الوضعية لا يرتبط بالعوامل المناخية بقدر ما يرتبط بقدرة الاقتصاد الوطني على تعزيز الإنتاجية وتوسيع قاعدته التنافسية، بما يضمن نمواً أكثر استقراراً وأقل تأثراً بالتقلبات الظرفية.
