بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الأرقام الصادرة عن شبكة أفروباروميتر مجرد معطيات تقنية ضمن تقارير دورية، بل أصبحت مؤشرات تطرح تساؤلات جدية حول واقع بعض الخدمات العمومية بالمغرب.
فهي تعكس مفارقة لافتة بين تقدم ملحوظ في البنيات الأساسية، وتحديات مستمرة في جودة الولوج ونزاهة تقديم الخدمات داخل المرفق العام.
تتجلى هذه المفارقة في تسجيل نسب مرتفعة في الربط بشبكتي الماء والكهرباء، بلغت حوالي 88% و82% على التوالي، وهي مستويات تضع المغرب ضمن الدول المتقدمة قارياً في هذا المجال.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تتقاطع مع معطيات أخرى أقل اطمئناناً، حيث تشير نتائج الاستطلاع إلى أن نسبة من المواطنين صرّحت باضطرارها لدفع مبالغ غير رسمية مقابل الاستفادة من بعض الخدمات، من بينها القطاع الصحي الذي بلغ فيه هذا المعدل 37%، بارتفاع ملحوظ مقارنة بالقياسات السابقة.
ولا يقف الأمر عند حدود الكلفة الإضافية غير المعلنة، بل يمتد إلى مستوى الثقة في المرفق العمومي، إذ لم تتجاوز نسبة اللجوء إلى المؤسسات الصحية العمومية 42% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وهي أقل من المتوسط الإفريقي المحدد في 61%.
ويمكن قراءة هذا الفارق كأحد المؤشرات التي تعكس تبايناً في تجربة المواطنين مع هذه الخدمات.
وتبقى هذه المعطيات مبنية على تصريحات المواطنين ضمن استطلاع رأي، ما يجعلها تعكس بالأساس مستوى إدراكهم لتجربة الولوج إلى الخدمات العمومية، دون أن تُختزل بالضرورة في قياس مباشر لحجم الظاهرة.
غير أن تكرار هذه المؤشرات يفتح نقاشاً أوسع حول فعالية بعض مسارات الإصلاح، وحدود أثرها على التجربة اليومية للمواطن.
إن أخطر ما تكشفه هذه الأرقام ليس فقط حجم الممارسات المرتبطة بالرشوة، بل مؤشر ما يمكن وصفه بـ“التطبيع السلوكي” مع هذه الظاهرة؛ حيث لم تعد تُفهم دائماً كحالات معزولة، بل يُنظر إليها أحياناً كـ“كلفة إضافية” لضمان جودة أو تسريع الخدمة، وهو ما يطرح تساؤلات حول أثر ذلك على تصور المواطنين للمرفق العام في أبعاده القانونية والأخلاقية.
وفي هذا السياق، تضع هذه المعطيات استراتيجيات “الانتقال الرقمي” أمام اختبار فعلي؛ فبينما يُفترض أن تساهم الرقمنة في تقليص الاحتكاك المباشر والحد من الممارسات غير الرسمية، تشير بعض المؤشرات إلى استمرار أشكال من الوساطة أو التفاعل خارج القنوات الرقمية، بما يحدّ من الأثر المنتظر لهذه الإصلاحات.
كما أن هذه الأرقام، بصفتها معدلات وطنية، قد تخفي تفاوتات مجالية أعمق؛ إذ يُحتمل أن تكون كلفة الولوج إلى الخدمات، بما في ذلك الممارسات غير الرسمية، أكثر تأثيراً في المناطق القروية أو الهامشية، حيث تقل البدائل وتضعف أحياناً آليات التتبع، وهو ما ينعكس على شعور المواطنين بجودة الخدمة ومدى إنصافها.
في المحصلة، لا تقدم هذه المعطيات حكماً نهائياً بقدر ما تفتح نقاشاً حول طبيعة المرحلة الحالية من الإصلاح؛ فالتحدي لم يعد فقط في تعميم الخدمات وتوسيع بنياتها، بل في ضمان نزاهتها وتعزيز الثقة فيها.
وبين منطق “دولة الأرقام” ومنطق “دولة الثقة”، يظل السؤال قائماً حول سبل تفعيل آليات التتبع والمساءلة، بما يجعل جودة الخدمة ونزاهتها جزءاً لا يتجزأ من أي تصور فعلي للدولة الاجتماعية.
