بقلم: الباز عبدالإله
تحوّل ملف سوق الصالحين بمدينة سلا، وهو المشروع الملكي الطموح الذي أُنجز ليكون رافعة لإعادة هيكلة التجارة غير المهيكلة وإدماج الباعة في فضاء يصون كرامتهم، من نموذج يُفترض أن يجسد معايير الحكامة الاجتماعية، إلى قضية رأي عام مثقلة بعلامات استفهام متزايدة حول مآل التحقيقات وحدود المحاسبة، وحول الصمت الذي يلفّ بعض تفاصيله.
فبعد أشهر من الاحتجاجات التي خاضها عدد من التجار الذين عبّروا عن شعورهم بعدم الاستفادة، وتراكم الشكايات التي تحدثت عن اختلالات في توزيع المحلات ولوائح المستفيدين، دخل الملف مرحلة أكثر حساسية مع تسجيل دخول الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على الخط.
وهو تطور يُقرأ عادة عندما تتجاوز المعطيات حدود الإشكالات الإدارية البسيطة نحو مؤشرات تستدعي بحثاً معمقاً.
المعطيات المتداولة، كما نقلتها مصادر إعلامية، تشير إلى أن الفرقة الوطنية باشرت الاستماع إلى عدد من التجار، واطلعت على وثائق ولوائح مرتبطة بعملية التوزيع، وفتحت بحثاً في مزاعم تفويت محلات خارج المساطر المعتمدة، مع الحديث عن وسطاء يُشتبه في تقاضيهم مبالغ مالية مقابل وعود بالاستفادة.
وقد بلغ هذا المسار مرحلة متقدمة مع إيداع أحد المشتبه فيهم السجن، في واقعة تعزز فرضية أن الملف يتجاوز مجرد اختلالات معزولة إلى احتمال وجود تداخلات في المصالح.
ورغم أهمية هذه التطورات، يظل الرأي العام أمام غياب معطيات رسمية مفصلة توضح مآل البحث. فلا بلاغات توضيحية كافية حول تقدم التحقيق، ولا نتائج معلنة بشكل رسمي، ولا نشر شامل للوائح المستفيدين، وهو ما يفتح الباب لتساؤلات لدى المتتبعين، خاصة في ظل طول مدة الانتظار.
إن ما يثير الانتباه في مسار هذا الملف، ليس فقط طبيعة الاختلالات المسجلة، بل أيضاً التساؤلات التي بدأت تُطرح حول منطق تدبير اللوائح نفسها، وما إذا كانت قد تحولت في بعض الحالات إلى أداة لإعادة توزيع الامتيازات خارج معايير الاستحقاق والشفافية.
فالرأي العام لم يعد يكتفي بتتبع مسار التحقيق، بل يتساءل عن السياق الذي أفرز هذه الاختلالات، وعن مدى حضور الرقابة السياسية والمؤسساتية في مراحل الإعداد والتنزيل.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال دور المؤسسات المنتخبة والسلطات المحلية في مواكبة هذا المشروع، سواء من حيث التتبع أو من حيث التواصل مع الساكنة، خصوصاً في ظل شعور متزايد لدى بعض المتضررين بغياب توضيحات كافية.
فالصمت هنا لا يُقرأ فقط كمعطى قضائي مرتبط بسرية الأبحاث، بل أيضاً كفراغ تواصلي وسياسي يفتح الباب أمام التأويلات.
كما يطرح مسار بعض المتابعات المحدودة تساؤلات إضافية حول حدود المسؤولية، وما إذا كان النقاش سيتوقف عند بعض الحالات الفردية، أم سيتجه نحو تقييم أوسع يشمل مختلف مستويات التدبير، في انسجام مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي خلفية هذا النقاش، يظل البعد الإنساني حاضراً بقوة، من خلال وضعية عدد من الأسر التي كانت تعتمد على أنشطة تجارية سابقة، وتنتظر اليوم وضوحاً أكبر في مآل هذا المشروع، بما يضمن استعادة الثقة في أهدافه الأصلية المرتبطة بالإدماج وصون الكرامة.
هنا يطفو السؤال بصيغة أكثر وضوحاً: هل يتعلق الأمر بتحقيق معقد يستدعي وقتاً أطول، أم أن الملف دخل مرحلة من البطء غير المفهوم في التفاعل المؤسساتي؟
القراءات في هذا السياق متعددة. فهناك من يرى أن طبيعة الملف وتعدد المتدخلين فيه تفرض إيقاعاً حذراً في المعالجة.
في المقابل، يذهب آخرون إلى أن ما يحدث قد يقتصر على معالجة بعض الحالات الفردية دون توسيع نطاق المساءلة ليشمل مختلف مستويات التدبير. كما تطرح تفسيرات أخرى احتمال وجود صعوبات مؤسساتية أو إجرائية تؤثر على سرعة التقدم في الملف.
وفي خضم هذا النقاش، يظل التمييز ضرورياً بين الرؤية الملكية للمشروع، باعتبارها خياراً استراتيجياً يهدف إلى الإدماج وصون الكرامة المهنية، وبين مستوى التنزيل المحلي الذي أصبح موضوع نقاش وتساؤل.
هذا التمييز أساسي، لأن أي معالجة جدية تقتضي تقييم طرق التنفيذ وتصحيح الاختلالات المحتملة، بما يحفظ أهداف المشروع الأصلية.
إلى حدود اللحظة، يظل ملف سوق الصالحين معلقاً بين تحقيق لم تُعلن نتائجه بشكل كامل، وانتظارات متزايدة لدى فئة من التجار الذين يطالبون بتوضيحات أكثر.
وما يفرضه هذا الوضع ليس فقط تتبع مسار الملف، بل تعزيز منسوب الوضوح، لأن قوة المشاريع لا تُقاس فقط بحجمها، بل بمدى القدرة على تقييمها وتصحيح مسارها عند الحاجة، ومساءلة كل من ثبتت مسؤوليته في إطار القانون.
وفي هذا السياق، لم يعد ملف سوق الصالحين مجرد اختبار لمسار قضائي، بل أصبح أيضاً اختباراً لمدى مصداقية الخطاب المرتبط بالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فاستمرار الغموض، مع مرور الوقت، لا ينعكس فقط على مآل الملف، بل يمتد ليؤثر على منسوب الثقة بين المواطن ومؤسساته.
كما أن مطلب الوضوح في هذه القضية لا يقتصر على فئة التجار، بل يعكس انتظاراً أوسع داخل المدينة بأن تظل المشاريع الكبرى فضاءات للإنصاف، لا أن تتحول بفعل اختلالات التدبير
إلى حالات تثير التساؤل حول طرق تنزيلها ومآلاتها.
