بينما تنشغل المجالس السياسية بالاحتفاء بمخرجات الحوار الاجتماعي، وتُقدَّم الزيادات في الأجور باعتبارها مكسباً اجتماعياً جديداً، يعود سؤال المتقاعدين إلى الواجهة من زاوية أكثر حساسية: أين موقع هذه الفئة من خريطة الإنصاف الاجتماعي؟ سؤال المستشار البرلماني خالد السطي إلى رئيس الحكومة لم يكن مجرد استفسار عابر، بل فتح نقاشاً عميقاً حول فئة قضت سنوات طويلة في خدمة الإدارة والقطاع الخاص، قبل أن تجد نفسها اليوم خارج دائرة الاهتمام الكافي في زمن تُرفع فيه شعارات الدولة الاجتماعية.
فالمتقاعدون، الذين ساهموا في بناء المرافق والمؤسسات والإنتاج، يواجهون واقعاً معيشياً صعباً، عنوانه معاشات محدودة أمام ارتفاع متواصل في أسعار المواد الأساسية وكلفة العلاج والتنقل. ومع أن الحوار الاجتماعي ينجح أحياناً في تحسين أوضاع الأجراء النشيطين، فإن أثره لا يصل بالقدر نفسه إلى من غادروا سوق الشغل، رغم أن حاجتهم إلى الحماية والكرامة لا تقل أهمية عن غيرهم.
ويطرح السؤال البرلماني جوهر الإشكال بوضوح، هل يمكن الحديث عن إنصاف اجتماعي مكتمل إذا بقيت معاشات المتقاعدين شبه جامدة أمام موجات التضخم؟ وهل يكفي تدبير ملف التقاعد بمنطق التوازنات المالية فقط، دون استحضار البعد الإنساني والاجتماعي لفئة أصبحت أكثر عرضة لمصاريف الصحة وأعباء الحياة اليومية؟.
المطلوب اليوم لا يقف عند حدود الوعود أو الدراسات المستقبلية، بل يحتاج إلى إجراءات ملموسة، في مقدمتها التفكير في زيادة استثنائية في المعاشات، ومراجعة آليات تحيينها بما يراعي تطور الأسعار، إلى جانب تحسين ولوج المتقاعدين إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، وإقرار امتيازات عملية في النقل والخدمات العمومية.
إن ملف المتقاعدين اليوم ليس مجرد بند مؤجل في أجندة الحوار الاجتماعي، بل مرآة حقيقية تعكس مدى جدية شعار الدولة الاجتماعية. فإما أن نكون أمام سياسة عمومية تحفظ كرامة من ساهموا في بناء الإدارة والمرافق والقطاع الخاص بجهدهم وعرقهم، أو أمام مقاربة باردة تختزل التقاعد في أرقام وتوازنات، وتنسى أن خلف كل معاش محدود مساراً طويلاً من العمل والعطاء.
لذلك، فإن الجواب الحكومي على سؤال المستشار خالد السطي لن يكون مجرد رد تقني بأرقام ووعود، بل اختباراً لمعنى العدالة الجيلية في المغرب. ففي نهاية المطاف، لا تستقيم دولة اجتماعية تُغذّي الحاضر وتترك جذور العطاء القديم تواجه وحدها رياح الغلاء.
