بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الحديث عن إصلاح المنظومة الصحية في المغرب مجرد نقاش تقني حول الميزانيات والتغطية، بل أصبح جزءاً من تصور أشمل يربط الصحة بالاستقرار الاقتصادي والتنمية.
هذا ما أكدت عليه نادية فتاح العلوي، التي شددت، خلال مشاركتها في منتدى إفريقي رفيع المستوى بطنجة، على أن الصحة لم تعد قطاعاً معزولاً، بل “محركاً أساسياً للاستقرار الاقتصادي”، وأن الرهان اليوم هو تحويل هذا الفهم إلى “تمويل مستدام ونتائج ملموسة”.
هذا الخطاب، الذي يضع الصحة في قلب النموذج التنموي، يستند إلى معطيات رسمية تشير إلى توسيع التغطية الصحية لتشمل نحو 88% من المغاربة، أي ما يفوق 32 مليون مستفيد، في إطار ما وصفته الوزيرة بجهد مالي “قوي ومستدام”، هدفه ضمان ولوج أوسع إلى العلاج وتعزيز ما تسميه الدولة “السيادة الصحية”.
غير أن التغطية الواسعة لا تعني بالضرورة جودة موحّدة، وهو ما يجعل معيار “الاطمئنان” يتجاوز الأرقام نحو التجربة الفعلية داخل المرفق الصحي، لينتقل تقييم الإصلاح من منطق التغطية إلى منطق التجربة اليومية للمواطن.
في هذا السياق، يطفو إلى السطح نقاش لافت لكنه عميق: ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه الصحة كركيزة استراتيجية، تتجه اختيارات بعض المسؤولين وصناع القرار نحو العلاج خارج المغرب، خاصة في الحالات التي تتطلب مستوى عالياً من الدقة أو المتابعة، بما يستلزمه ذلك من كلفة بالعملة الصعبة بحثاً عن مستوى أعلى من الاطمئنان.
وهي اختيارات، وإن ظلت في إطارها الشخصي، إلا أن أثرها الرمزي يتجاوز ذلك ليطرح تساؤلات عميقة حول مستوى الثقة في المنظومة الصحية الوطنية.
هذا التباين بين الخطاب والممارسة يفتح باب التساؤل: كيف يمكن ترسيخ قناعة جماعية بفعالية الإصلاحات الصحية، إذا كانت بعض الاختيارات الفردية تميل إلى البحث عن خيارات خارجية عند الحاجة؟ وهل يتعلق الأمر فقط بعوامل تقنية مرتبطة بطبيعة الحالات، أم أنه يعكس، بشكل غير مباشر، حدود الاطمئنان داخل جزء من المنظومة الصحية؟
إن تكرار هذه الاختيارات يساهم، في نظر كثيرين، في تكوين انطباع بوجود مسارين صحيين: مسار عمومي يقوم على توسيع التغطية وتعزيز البنيات، ومسار آخر يرتبط بخيارات علاجية خارجية تظل رهينة بالقدرة على تحمل الكلفة.
وهو انطباع، سواء كان دقيقاً أو مبالغاً فيه، يظل مؤثراً في تشكيل صورة الإصلاحات الصحية داخل الوعي الجماعي.
في المقابل، تراهن السياسات العمومية على تطوير البنيات التحتية وتعزيز العرض الصحي، إلى جانب الانفتاح على الشراكات بين القطاعين العام والخاص، باعتبارها رافعة لتسريع الإصلاح. غير أن هذا التوجه يطرح بدوره سؤال التوازن بين منطق الخدمة العمومية ومتطلبات النجاعة، خاصة في ما يتعلق بضمان جودة متقاربة في مختلف الجهات.
في المحصلة، لا يبدو التحدي اليوم مرتبطاً فقط بحجم الاستثمارات أو توسيع التغطية، بل بمدى قدرة هذه الإصلاحات على إنتاج ثقة فعلية، تُقاس ليس فقط بالأرقام، بل أيضاً بالإحساس العام بالاطمئنان داخل المنظومة الصحية.
فـ“السيادة الصحية” لا تكتمل على مستوى الأثر الملموس إلا حين يصبح العلاج داخل الوطن خياراً طبيعياً ومفضّلاً… للجميع، دون استثناء، بدءاً بمن يضعون السياسات وينتهون عند أبسط مواطن.
