بقلم: الباز عبدالإله
أفادت معطيات أوردتها جريدة “الأخبار” المغربية أن مستثمراً من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج فجّر ملفاً يضع تدبير العقار السلالي بإقليم الخميسات تحت مجهر غير مريح، بعدما كشف، وفق شكاية رسمية، أن مسلكاً طرقياً يمر عبر أرض سلالية تفوق مساحتها 104 هكتارات، تم كراؤه بثمن لا يتجاوز 50 سنتيماً سنوياً، أي أقل من ثمن “بيضة واحدة” في مغرب 2026.
رقم يبدو بسيطاً، لكنه كافٍ لإعادة طرح أسئلة ثقيلة حول معنى التثمين، وحدود تنزيل المادة 19 من القانون 62.17 خارج النصوص النظرية.
وتقود خيوط الملف، بحسب الشكاية التي تقدم بها المستثمر أحمد العمراوي إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، إلى كراء قطعة أرضية مجاورة لمشروعه الفلاحي القائم منذ 2023 لفائدة شركة خاصة من أجل إحداث مقلع للرمال.
غير أن ما يطفو هنا ليس فقط تفاوت الأثمنة، بل ما يمكن وصفه بـ“ضربة استثمار مزدوجة”: من جهة، تشجيع مستثمر من مغاربة العالم بعقد رسمي، ومن جهة ثانية، إقامة نشاط صناعي ملاصق لمشروعه بعد أقل من سنة، بما قد يهدد توازنه البيئي والاقتصادي.
هذا التناقض يفتح نقاشاً أوسع حول ما يسميه خبراء الاقتصاد بـ“استقرار المناخ التعاقدي”، إذ كيف يمكن طمأنة المستثمرين، وخاصة مغاربة العالم، إذا كانت نفس الإدارة التي تمنح عقود الاستثمار، تسمح لاحقاً بمشاريع مجاورة قد تقوض جدوى تلك الاستثمارات؟
ولا تقف المفارقة عند هذا الحد، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ“هندسة الملف”، حيث تشير المعطيات إلى أن الموافقة البيئية المرتبطة بالمقلع تعود إلى ماي 2023، أي قبل إبرام عقد الكراء في فبراير 2024.
هذا التسلسل الزمني غير المألوف يوحي بأن مسار المشروع لم يكن عادياً بالكامل، ويطرح تساؤلات حول مدى حياد المساطر، وما إذا كانت بعض مراحل الترخيص قد سبقت شروطها القانونية.
من زاوية أخرى، يعيد هذا الملف تسليط الضوء على موقع “ذوي الحقوق” داخل هذه المعادلة.
فحين يُكترى مسلك طرقي فوق أرض سلالية شاسعة بثمن لا يتجاوز 50 سنتيماً سنوياً، يصبح من المشروع التساؤل: ما هو العائد الفعلي الذي سيستفيد منه أفراد الجماعة السلالية؟ وهل ينسجم ذلك مع الهدف المعلن المتمثل في تحسين أوضاعهم المعيشية؟
وفي موازاة ذلك، تبرز مسألة مسطرة المنافسة، حيث تنص المادة 19 من القانون 62.17 على أن كراء أراضي الجموع يتم، كقاعدة، عبر طلب العروض، بما يضمن تكافؤ الفرص.
غير أن المعطيات المتداولة تطرح تساؤلات حول مدى تفعيل هذا المبدأ في الحالة المعروضة، خاصة في مشاريع ذات رهانات اقتصادية وبيئية.
وفي الخلفية، تحضر التوجيهات الرسمية التي جعلت من الأراضي السلالية رافعة للتنمية الفلاحية، وهو ما يجعل من مثل هذه الملفات أكثر من مجرد وقائع معزولة، بل مؤشرات على كيفية ترجمة السياسات العمومية على أرض الواقع.
غير أن المفارقة الأعمق، ليست في رقم 50 سنتيماً، بل في ما يكشفه من خلل محتمل في ترتيب الأولويات: بين استثمار فلاحي قائم، ومشروع صناعي لاحق؛ وبين نص قانوني واضح، وممارسة تثير التساؤل؛ وبين أرض يفترض أن ترفع مستوى عيش ذوي الحقوق، وعائد قد لا يتجاوز سنتيمات معدودة.
إن ملف “نصف درهم” بالخميسات لا يبدو مجرد تفصيل إداري عابر، بل أقرب إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة وزارة الداخلية على صون منطق القانون في مواجهة تعقيدات الواقع.
وبين نص المادة 19 ومآلات تطبيقها، يتحدد ما إذا كان الإطار القانوني سيظل مرجعاً فعلياً، أم سيتحول إلى مجرد أثر في الذاكرة الإدارية.
