بقلم: الباز عبدالإله
بينما كانت ساكنة القصر الكبير تلملم جراحها جراء الفيضانات الأخيرة وتنتظر حلولاً لترميم بنيتها التحتية المتضررة، فجّر إطلاق سند طلب بقيمة 10 ملايين سنتيم مخصص لخدمات “الإطعام” لفائدة 500 شخص جدلاً واسعاً.
ورغم أن الجماعة سارعت لاحقاً إلى إلغاء الصفقة، إلا أن هذا التراجع لا يُنهي النقاش بقدر ما يفتحه على أسئلة أكثر حساسية؛ أولها يتعلق بطبيعة الشركة التي رست عليها الصفقة، إذ يظل من المشروع التساؤل حول مدى ملاءمة نشاطها، المرتبط بـ”الأشغال والإنعاش العقاري”، مع خدمات الإطعام.
معطى يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يتم الاحتكام لمنطق التخصص وتكافؤ الفرص، أم أن بعض الطلبات تُسند بمنطق أكثر مرونة مما ينبغي؟
إن تأكيد الجماعة على إلغاء سند الطلب لا يمكن اعتباره مجرد خطوة تصحيحية عادية، بل يسلط الضوء على طريقة تقدير الأولويات في تدبير النفقات العمومية.
فالتراجع السريع يطرح تساؤلاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في دلالاته: كيف يُبرمج نشاط بهذا الحجم في ظرفية دقيقة، ثم يُلغى بالسرعة نفسها؟ وهل نحن أمام خلل في التقدير، أم أمام تفاعل متأخر مع ضغط الرأي العام؟
في هذا السياق، تتجه الأنظار بشكل طبيعي نحو أدوار أجهزة المراقبة، وعلى رأسها وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة الوصية على الجماعات الترابية، في تتبع سلامة تدبير المال العام وضمان انسجام القرارات مع متطلبات المرحلة.
كما يظل دور السلطات الإقليمية محورياً في مواكبة مثل هذه القرارات، خاصة حين يتعلق الأمر بنفقات تثير نقاشاً واسعاً حول جدواها وتوقيتها.
إن ما حدث في القصر الكبير لا يمكن اختزاله في “حادث تدبيري” معزول، بل يقدّم مؤشراً واضحاً على الحاجة إلى مراجعة عميقة في أخلاقيات تدبير المرفق العام؛ فالمواطن، الذي يواجه في آنٍ واحد تداعيات الفيضانات وضغط غلاء الأسعار، لم يعد يتقبل أن تُبرمج نفقات لا تنسجم مع أولوياته اليومية، أو أن يتم التراجع عنها فقط بعد أن تتحول إلى موضوع نقاش عمومي.
وفي هذا السياق، يطرح توقيت إطلاق صفقة للإطعام تساؤلات مشروعة حول كيفية ترتيب الأولويات، خاصة في مرحلة تتطلب توجيه الموارد نحو الحاجيات الأكثر إلحاحاً.
فالإشكال لم يعد مرتبطاً بقيمة النفقة في حد ذاتها، بل بالرسائل التي تبعثها طريقة تدبيرها، ومدى انسجامها مع انتظارات الساكنة في ظرفية دقيقة.
كما أن الأمر لا يقتصر على تقديم توضيحات من طرف الجماعة أو تقارير من سلطات الوصاية، بل يتجاوز ذلك إلى مدى قدرة المؤسسات الرقابية على تحويل مثل هذه الوقائع إلى لحظة تقييم حقيقية؛ تعزز مبادئ الشفافية، وتكرّس ربط المسؤولية بالمحاسبة كآلية عملية في تدبير الشأن المحلي.
فالثقة بين المواطن والمؤسسات لا تُبنى فقط بحسن النوايا، بل بوضوح القرارات، وانسجامها مع واقع يفرض أولويات لا تقبل التأجيل.
