بقلم: الباز عبدالإله
في جلسة برلمانية مشحونة خُصصت لمناقشة الحصيلة الحكومية، أمس الثلاثاء، وجّه رشيد الحموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، مداخلة نقدية قوية ردّاً على العرض الذي قدّمه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، واضعاً ما وصفه بـ“الأثر الغائب” في صلب النقاش السياسي.
استهلّ الحموني تدخله بالتنبيه إلى محدودية الزمن البرلماني، معتبراً أن 12 دقيقة غير كافية لمناقشة حصيلة حكومة تمتد لسنوات، مكتفياً بعرض أبرز الملاحظات، مع إحالته على مذكرة مفصلة تضم كل المعطيات.
كما أثار، في ملاحظة شكلية، غياب بعض الوزراء، خاصة التكنوقراط، متسائلاً إن كان ذلك يعكس موقفاً ضمنياً من الحصيلة المعروضة.
وفي تقييمه للمنهجية، شدد المتحدث على أن أي حصيلة حكومية ينبغي أن تُقاس بمدى احترام البرنامج الحكومي، والالتزامات الواردة فيه، إلى جانب الانسجام مع التوجيهات الملكية والنموذج التنموي الجديد، فضلاً عن تقارير المؤسسات الوطنية المستقلة، معتبراً أن “الواقع” يظل المعيار الأصدق في التقييم.
وسجل الحموني ملاحظتين أساسيتين؛ الأولى تتعلق، حسب تعبيره، بالخلط بين التوجهات الاستراتيجية الكبرى والإصلاحات الهيكلية من جهة، والحصيلة الحكومية الفعلية من جهة أخرى، فيما همّت الثانية ما وصفه بـ“توظيف مفاهيم نبيلة”، وعلى رأسها مفهوم “الدولة الاجتماعية”، بشكل لا يعكس أثرها الحقيقي على المواطنين.
كما انتقد غياب سنة مرجعية موحدة في عرض الأرقام، معتبراً أن هذا التعدد يفتح المجال لإعادة ترتيب المعطيات بشكل يُجمّل الحصيلة، مؤكداً أنه لا ينكر وجود مجهود حكومي في قطاعات كالصحة والتعليم، ولا في دعم القدرة الشرائية، لكنه شدد على أن “المشكل ليس في حجم الاعتمادات، بل في الأثر”.
وفي هذا السياق، قدّم مثال دعم قطاع اللحوم، مشيراً إلى أن مليارات الدراهم التي رُصدت، إلى جانب الإعفاءات، لم تنعكس على الأسعار، حيث ظل ثمن اللحم مرتفعاً، معتبراً أن ذلك يعكس خللاً في تحقيق الهدف رغم توفر الإمكانيات.
وقرّب الصورة بمثال جماعة حفرت آباراً بميزانية مهمة دون أن تصل إلى الماء، معتبراً أن “النتيجة لم تتحقق رغم صرف الأموال”.
وبخصوص المحروقات، سجل المتحدث أن الدعم الذي كلّف، حسب تقديره، حوالي 8.5 مليارات درهم بين 2022 و2024، لم يكن له أثر مباشر على الأسعار، في مقابل مداخيل ضريبية كبيرة، مقترحاً تخفيضاً مباشراً ومؤقتاً للضرائب كخيار بديل أكثر فعالية لفائدة المواطنين.
وفي قطاع الصحة، أقرّ بوجود تحسن نسبي في الولوج إلى العلاج، خاصة عبر القطاع الخاص، غير أنه استحضر معطيات لمؤسسات وطنية تشير إلى وجود ملايين المواطنين خارج الاستفادة الفعلية، معتبراً أن تعميم التغطية الصحية لم يحقق بعد أهدافه الكاملة.
أما على مستوى السيادة الغذائية، فقد طرح تساؤلات حول جدوى السياسات الفلاحية في ظل استمرار ارتفاع أسعار الخضر والفواكه، منتقداً اختزال المشكل في المضاربين فقط، ومشيراً إلى مقترحات تشريعية لتنظيم السوق وضبط التوازن بين العرض والطلب.
وفي الشق الاقتصادي، توقف الحموني عند تفاقم العجز التجاري، متسائلاً عن موقع الصناعة الوطنية، ومشدداً على ضرورة الاستثمار في البحث العلمي ونقل التكنولوجيا لتحقيق سيادة صناعية حقيقية، بدل الاكتفاء بصناعات مرتبطة بسلاسل دولية قد لا تضمن استدامة الأثر.
كما أشار إلى أن قانون الاستثمار يُحسب للحكومة، لكنه سجل تأخراً في تنزيل المراسيم الخاصة بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، مقابل تسريع تلك المرتبطة بالمقاولات الكبرى، معتبراً أن هذا التوجه يطرح تساؤلات حول العدالة الاقتصادية وخلق فرص الشغل.
وفي ملف محاربة الفساد، نبه إلى تراجع ترتيب المغرب في مؤشرات إدراك الفساد، متسائلاً عن الإجراءات الوقائية المتخذة، في ظل ضعف انتشار الوعي بالاستراتيجية الوطنية لدى عدد من الفاعلين الاقتصاديين.
وعلى المستوى التشريعي، نوّه بدور المعارضة في تمرير عدد مهم من القوانين، مؤكداً أن الإشكال يكمن في تأخر صدور المراسيم التطبيقية، مما يحد من الأثر الفعلي لهذه النصوص، خاصة في قطاعات حساسة كالصحة.
كما انتقد ضعف تفاعل بعض الوزراء مع أسئلة النواب، معتبراً أن استعادة الثقة في العمل السياسي تمر عبر تقوية دور البرلمان، وتعزيز الحوار المؤسساتي، واعتماد خطاب واقعي بعيد عن منطق “تضخيم الأرقام”.
وختم الحموني مداخلته بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عرض الحصيلة، بل في قدرتها على إقناع المواطن، مسجلاً، باسم فريقه، عدم التزام الحكومة بعدد من تعهداتها الأساسية، ومجدداً الدعوة إلى مراجعة السياسات العمومية بما يعيد الثقة ويضمن أثراً ملموساً في حياة المغاربة.
