في تدوينة لافتة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، قدّم الكاتب والباحث إدريس الكنبوري قراءة حادة في التحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب، معتبراً أن ما بعد فاتح ماي لم يعد يشبه ما قبله، وأن الشارع لم يعد ينتظر النقابات أو الأحزاب كي تتحرك باسمه، بعدما بدأت فئات واسعة من المواطنين تعبّر عن غضبها مباشرة، وبأدواتها الخاصة.
وكتب الكنبوري: “انتهى فاتح ماي وانتهت النقابات والأحزاب وانتهت السياسة المبرمجة التي يسمونها لعبة، وبدأ زمن المواطن”، في إشارة إلى انتقال مركز الاحتجاج من المنصات التقليدية التي كانت تؤطرها الهيئات السياسية والنقابية، إلى فضاءات جديدة تقودها فئات بسيطة وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام قضايا الهدم، والتهجير، والسطو على الأراضي، وفقدان السكن والاستقرار.
وحسب مضمون التدوينة، فإن المشهد الاحتجاجي لم يعد محصوراً في الخطابات المنظمة أو الشعارات المعدة سلفاً، بل صار أكثر عفوية وارتباطاً بوجع الناس اليومي.
فمكبر الصوت، كما يصف الكنبوري، لم يعد حكراً على النقابي أو السياسي “المتمدن”، بل أصبح يحمله مواطن بسيط لم يكمل دراسته، لكنه وجد نفسه في قلب معركة الدفاع عن البيت والأرض والكرامة.
ويستحضر الكنبوري صورة الفلاح البسيط “بجلبابه المخرق وطاقيته التي تميل جهة اليمين”، وهو يقف في مواجهة صفوف رجال الأمن، في مقابل صورة الطفل الذي كان يفترض أن يكون في طريقه إلى المدرسة، فإذا به يتابع بعينيه الصغيرتين الجرافات وهي تهدم البيت الذي وُلد فيه.
وهي صورة مكثفة تختزل، في نظره، حجم التحول الاجتماعي والرمزي الذي تعرفه بعض الاحتجاجات الجديدة.
الأهم في قراءة الكنبوري هو حديثه عن تغير مصدر التعبئة.
فالمواطن، حسب التدوينة، لم يعد يخرج إلى الشارع استجابة لمنشور حزبي أو نداء نقابي، بل أصبح يتابع ما يجري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ينزل إلى الميدان.
بهذا المعنى، صارت المنصات الرقمية بديلاً عملياً عن الوسائط التقليدية التي فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على تمثيل الغاضبين أو التعبير عنهم.
ويقول الكنبوري إن مواقع التواصل أصبحت هي التي “تخرج الناس إلى الشارع”، لأنها أتاحت الكلام لمن لم يجدوا من يتحدث باسمهم.
فالعامة، كما يصفهم، لم يعودوا ينتظرون من يمثلهم، بل صاروا “يمثلون أنفسهم ويلبون دعوات أنفسهم”. وهي فكرة تلخص جوهر التدوينة: تراجع الوساطة التقليدية، وبروز المواطن المباشر، الذي يتكلم بصوته، ويصوّر معاناته، ويصنع قضيته خارج القنوات المعتادة.
بهذا المعنى، لا تبدو تدوينة الكنبوري مجرد تعليق على احتجاجات متفرقة، بل قراءة في أزمة أعمق تمس العلاقة بين المجتمع ومؤسساته الوسيطة.
فحين يشعر المواطن بأن الحزب لا يسمعه، والنقابة لا تراه، والمنتخب لا يمثله، يصبح الهاتف في يده منصة، والفيديو بلاغاً، والشارع امتداداً طبيعياً لغضب بدأ بصورة أو صرخة أو بث مباشر.
وختم الكنبوري تدوينته بصورة رمزية قوية حين كتب: “الكتكوت يخبط البيضة من الداخل ليتنفس”، قبل أن يضيف: “ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد”.
وهي عبارة تمنح النص طابع التنبيه أكثر من مجرد الوصف، وتوحي بأن ما يتحرك في العمق ليس احتجاجاً عابراً، بل تعبيراً عن حاجة اجتماعية إلى متنفس خارج القوالب القديمة.
رسالة الكنبوري، كما تظهر من تدوينته، أن هناك مغرباً آخر يتكلم من الهامش، لا ينتظر المنصة ولا اللافتة ولا من يتحدث باسمه.
مغرب يخرج صوته من خلف الجرافات، ومن وجع الأسر البسيطة، ليقول إن المواطن صار في قلب المشهد، بعدما ظل طويلاً على هامشه.
