بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن تعيين دلال ميني مديرةً عامة لالتقائية وتقييم السياسات العمومية تحول إلى ما يشبه نقطة توتر داخل النقاش الإداري والسياسي، ليس لشخصها، بل لكونه أعاد إلى الواجهة سؤالاً مزمناً في فلسفة التعيينات العليا.
أن تنتقل مسؤولة بـ”قفزة واحدة” من كواليس الديوان، حيث يختلط الاشتغال الإداري بالقرب السياسي من الوزير، إلى رأس مديرية استراتيجية يُفترض فيها الحياد والصرامة التقنية، يضعنا أمام سؤال “المشروعية”: هل نحن بصدد بناء إدارة دولة قائمة على الاستحقاق، أم إدارة تتأثر أحياناً بمنطق القرب الحزبي والسياسي كعامل من عوامل الترقي؟
الحساسية هنا تتجاوز منطق “تكافؤ الفرص” لتمس عمق مفهوم “التقييم” نفسه؛ فكيف لمسؤولة اشتغلت عن قرب مع الوزير ودافعت عن توجهاته داخل ديوانه أن تتحول فجأة إلى “حكم تقني” يقيم نجاعة السياسات العمومية بكل تجرد؟ هذا التداخل بين “القرب من القرار” و”وظيفة التقييم” قد يحول مديرية الالتقائية، في نظر منتقدين، من آلية لتقويم الاختلالات الحكومية إلى جهاز يصعب عليه الحفاظ على المسافة الضرورية تجاه الاختيارات التي كانت جزءاً من محيطه القريب.
إن تسييس الإدارة عبر بوابة التعيينات المثيرة للجدل لا يضعف فقط حماس الكفاءات المرابطة في دهاليز الوزارات، بل يفرغ شعارات “النجاعة” و”الحكامة” من جزء من معناها، حين يظهر المنصب الإداري الرفيع، في نظر المتابعين، وكأنه امتداد لمسار القرب من المطبخ السياسي، أكثر منه نتيجة طبيعية لمسار إداري طويل وخبرة ميدانية متراكمة، خصوصاً في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى إدارة قوية، محايدة، وقادرة على تقييم السياسات العمومية بمنطق المؤسسات لا بمنطق المواقع.
ولا تكمن حساسية هذا التعيين في اسم من عُيّن، بل في “الرسالة الصامتة” التي قد تترسخ داخل ردهات الإدارة؛ فالدول التي تطمح إلى ريادة الاستثمار وتجويد السياسات العمومية لا تُبنى فقط بالقرب من مراكز القرار، بل بالكفاءات القادرة على ممارسة الصرامة والتجرد.
إن دفع الإدارة نحو منطقة رمادية بين السياسة والوظيفة العمومية يفتح الباب أمام تأويلات كثيرة، قد تستفيد منها حسابات ظرفية، لكنها تضعف في المقابل ثقة الأطر في عدالة الاستحقاق، وتجعل شعار “الرجل المناسب في المكان المناسب” محتاجاً إلى توضيح مؤسساتي يبدد هذا الضباب.
