لم تكن كلمة الحسين بلمومن، الأمين العام للجان العمالية المغربية، مجرد موقف حقوقي عابر في ملف قديم، بل جاءت كتنبيه هادئ إلى أن بعض الملفات، مهما طال عليها الزمن، لا تسقط بالتقادم ولا تُغلق بالصمت.
اختار بلمومن أن يقارب ملف المعتقلين الإسلاميين على خلفية أحداث 16 ماي 2003 من زاوية مختلفة.
لم يذهب إلى لغة التصعيد، ولم يبن خطابه على المواجهة، بل ركز على فكرة أساسية: لا يمكن الحديث عن دولة الحق والقانون، ولا عن مصالحة مكتملة، دون معالجة عادلة لهذا الملف، بما يضمن الإنصاف وجبر الضرر ورد الاعتبار.
توقف بلمومن عند كون هذا الملف مرّ على أكثر من محطة، وتعاقبت عليه حكومات ومؤسسات، من دون أن يصل إلى حل واضح ينهي آثار المرحلة ويجيب عن مطالب المعنيين بها.
وهي إشارة تعيد طرح سؤال المسؤولية المؤسساتية في تدبير الملفات الحقوقية التي بقيت معلقة بين الاعتراف الجزئي وانتظار التسوية النهائية.
الأهم في كلمة بلمومن أنها لا تقدم هذا الملف كقضية فئة معزولة عن باقي المجتمع، بل تربطه بسؤال أوسع يتعلق بالثقة داخل الوطن. فالإنصاف، في هذا التصور، ليس مطلباً خاصاً بقدماء المعتقلين فقط، بل شرط من شروط بناء جبهة داخلية متماسكة، قادرة على مواجهة التحديات والدفاع عن المصالح الكبرى للبلاد.
الجبهة الداخلية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى معالجة الجراح الاجتماعية والحقوقية التي بقيت مفتوحة.
فكل ملف غير منصف يترك أثراً في الذاكرة، وكل شعور بالإقصاء يضعف الثقة، وكل تأخر في رد الاعتبار يجعل المصالحة ناقصة مهما كانت النوايا المعلنة.
كما أن دعوته إلى إدماج هؤلاء في الحياة العامة دون تمييز أو إقصاء تحمل بعداً سياسياً واجتماعياً واضحاً. فالبلد الذي يريد توسيع المشاركة وتقوية مناعته الداخلية لا يمكنه أن يترك جزءاً من أبنائه خارج دائرة الاعتبار. الإدماج هنا لا يعني فقط العودة إلى الحياة العادية، بل يعني الاعتراف بأن المواطنة لا تكتمل إلا حين يشعر المواطن بأن الدولة لا تنساه، حتى عندما يكون ملفه ثقيلاً أو حساساً.
تبدو كلمة بلمومن محاولة لإخراج ملف المعتقلين الإسلاميين من زاوية الحرج إلى زاوية النقاش الوطني المسؤول.
فهي لا تطلب القطيعة مع المؤسسات، ولا ترفع منسوب التوتر، لكنها تضع سؤال الإنصاف فوق الطاولة بلغة واضحة: ما قيمة المصالحة إذا بقيت بعض الملفات خارجها؟ وما معنى دولة الحق إذا ظل جبر الضرر مؤجلاً؟
إن مرافعة الحسين بلمومن ليست مجرد تذكير بملف عالق، بل اختبار لمدى نضج التجربة الحقوقية المغربية في لحظة يرفع فيها المغرب شعار الدولة الاجتماعية، ويسعى إلى تحصين جبهته الداخلية أمام تحديات كبرى. فملف المعتقلين الإسلاميين، كما يقدمه هذا الخطاب، يتحول إلى مرآة تعكس الفارق بين شجاعة الاعتراف وكلفة الصمت.
فالاستقرار الحقيقي لا يبنى على أنقاض الذاكرة، ولا على ترحيل الأسئلة الصعبة إلى المستقبل، بل على القدرة على تحويل المظلمة إلى مصالحة، والإقصاء إلى إدماج، والجرح القديم إلى فرصة جديدة لترميم الثقة. فهل نملك الشجاعة لطي الصفحة بإنصاف، أم سنواصل توريث الملفات المؤجلة لزمن لا يرحم؟
